النقطة أهم ما حققه ما يسمى بالإنذار النووي. أما السؤال الذي لم يطرح ولم يجب عنه فهو التالي: من الذي قاده ذكاؤه نحو الضرورة النووية؟ هل هو بريجنيف أم أنه كيسنجر؟ أم الاثنان معا؟
في الواقع، لا تهمنا الإجابة عن هذا السؤال. فالنتيجة خدمت الجبارين: لقد أراد الروس الخروج من مصر في حين كان الأميركيون يبحثون للدخول إليها. وحصل الاثنان على مبتغاهما، فكان ذلك نقطة التحول الحقيقية في حرب اليوم الغفران، والتي حددت المرحلة المقبلة وجعلت من كيسنجر مدير المسرح بدون منازع.
وبمجرد التفكير بمنطق للحظات، اقتنع منتقدو كيسنجر وحلفاؤه في حلف شمالي الأطلسي، أنه لم يكن هناك بالفعل أي تهديد حقيقي نووي أو غير نووي.
فلو أن التدخل السوفياتي عير أرسال خمسين ألف جندي جوة، جاء في الوقت الذي أوشكت فيه الجهود المصرية والسورية في الحرب ضد إسرائيل على التدهور، وفي الوقت الذي قرر فيه مجلس السوفيات تعليق المساعدات العسكرية إلى مصر، لبدا هذا التدخل ضربا من العبث. ومهما حقق من أهداف، فإنه كان سيشكل مواجهة مع الترسانة الأميركية الفتاكة. الأمر الذي حاول بريجنيف، من خلال سياسته، تجنبه. فلم يعرض سياسته الهادفة لتخفيف التوتر مع الولايات المتحدة، ولا أمن الاتحاد السوفياتي ورفاهيته للخطر.
وهل أن الصداقة المزدوجة مع الرئيس السادات والمصالح السوفياتية المشكوك بأمرها في العالم العربي تساوي الثمن؟ هذه الظروف أدت إلى طرح تلك الأسئلة، وهذا ما فعله كيسنجر في أثناء خلوته في مكتبه حتى توصل إلى الإجابة البديهية. ولقد جعل ذلك من الأوروبيين المضطربين، والذين كانوا يطالبون بالابتعاد عن السياسة الأميركية، مدعاة للسخرية
أما نحن وقد كان لنا مقعد لجهة الحلبة، فلا يمكن أن ننهزم ولكننا أعجبنا بمهارة كيسنجر وأسلوبه اللذين قاد بهما الأوركسترا الدبلوماسية. وعلمنا درسا لن ننساه بسهولة: فلكي تظهر فعالية أهم التحركات الدبلوماسية، لا بد أن تسند بمقدار من القوة الحقيقية، دون الاستغناء عن الفصاحة. وفضلا عن ذلك، لقد تقدمنا باتجاه نسوية سياسية لأول مرة كنتيجة للحروب الأربعة التي حضناها بغية التوصل إلى إحلال السلام عوضا عن ترسيخ انومانزلاند عسكرية حيث بقينا من دون سلام