الصفحة 103 من 375

وبعزلة عن جيراننا. لقد شكلت هذه التسوية إنجازا مثيرة، فعلى أثر ما قام به کيسنجر انتقلنا إلى طريق جديد، وبالرغم من ذلك لم يعرف أحد منا بشكل مؤكد وجهته الأخيرة. كما أن الشعور الذي انتابنا آنذاك والثقة التي وضعناها في کيسنجر، خلفا جوا بات فيه كل شيء معقولا بالرغم من التفاخر غير الاعتيادي بتعذيب الذات الذي استمتع به الإسرائيليون للعودة إلى وطنهم.

وعلى أي حال، لقد أدركنا نحن والأميركيون، أن المسألة لن تكون سهلة. أما بالنسبة لمؤتمر السلام الذي اتفق عليه ضمن شروط وقف إطلاق النار، فقد انعقد في جنيف في نهاية شهر كانون الأول 1973. وقد غلب الطابع الهزلي على الطابع الجدي فيه، وجاء كفرصة لهؤلاء الذي حضروا للإدلاء بخطب تخدم مصالحهم الشخصية، ولأولئك الذي رفضوا الحضور منسلحين بالتشهير، ومن بينهم سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية. وبعد أن تم تبادل الاتهامات، ألقى وزير خارجية إسرائيل وابا ايبان» خطاب معدة سلفا ومن ثم أرجا الأمين العام الدكتور کيرت فالدهايم المؤتمر الذي لن يعقد مرة ثانية أبدا.

في أثناء ذلك، برزت في البلدان العربية، في فترة ما بعد الحرب، ظاهرة مألوفة خبرناها بادئ ذي بدء إثر حرب سيناء، عام 1956 (بالنسبة إلينا كانت سيناء والنسبة إلى البريطانيين والفرنسيين كانت السويس) وخبرناها مرة ثانية إثر حرب الأيام السنة عام 1967 ومرة أخرى بعد حرب (بوم الغفران»، وفي آخر مرة تكثفت إلى أن أصبحت مدعاة للسخرية، وبالمختصر، بدا المصريون والفلسطينيون والبلدان العربية الأخرى يتصرفون، مع مرور الأسابيع، كما لو أنهم حققوا نصرة عظيمة على إسرائيل في حرب تشرين. فلدى قراءة خطب السادات في فترة ما بعد الحرب مباشرة، والتي ضمنها شروط مصر لتحقيق تسوية عادلة، يظن القارئ أن بطلا منتصرة يفرض شروطه. وتلك الشروط هي ذاتها التي كان يطالب بها قبل الحرب ولكن يفارق وأحد مهم وهو أن السادات والعالم العربي عامة يعتقدان أنهما حققا هذه المرة بالفعل نصرة تاريخية، وأنهما أعادا الشرف والقوة للسلاح العربي وأزالا ذكريات الهزائم التي تكبداها في العام 1997. والأهم من ذلك كله هو أنهما نسفا اسطورة الحصانة الإسرائيلية، وإن وقف إطلاق النار الذي دبره الأميركيون أنقل مدرعات شارون من التدمير بواسطة هجوم مضاد له خطط له المصريون. وإن الموازين في الشمال على الجبهة السورية، أوشكت تنقلب مع وصول التعزيزات العراقية، ولقد حرم السادات والأسد من النصر الكبير والأخير بسبب تدخل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت