تلكا عن التحرك في الوقت الذي راح فيه الإسرائيليون يتقدمون ويستفزون باس
المصريين
ووسط الفوضى السائدة في القاهرة ودمشق، والإثارة المسيطرة في أورشليم وواشنطن، عرف بريجنيف، أخذ حذره، كيف يلتقط فرصته، الأمر الذي لم يكن واضحة آنذاك، فما كان منه سوى أن بعث برسالة ذكية ومحبوكة إلى كيسنجر في واشنطن بنقل له فيها عزم الاتحاد السوفياتي على التدخل عسكرية في حال لم يتم وقف التقدم الإسرائيلي فورا باتجاه الجبهة المصرية من القناة، وجاءت هذه الرسالة نموذجة من الرسائل التي تبدو وكأنها تقول الكثير ولكنها في الحقيقة لا تقول شيئا. وتزامنت هذه الرسالة مع تقارير وصلت إلى كيسنجر من أجهزته المخابراتية تفيد بأن السلطات السوفياتية قد أصدرت الأوامر إلى خمسين الف جندي في جنوب روسيا وفي هنغاريا لينتقلوا جوا وعلى الفور إلى مصر
كما علم کيسنجر أن السادات طلب قوات سوفياتية وأخرى أميركية لمراقبة وقف إطلاق النار، تلك المعلومات وردت في رسالة بريجنيف. وطلب الاسد ايضا قوات سوفياتية لحماية دمشق من الإسرائيلين المتقدمين. وفي وقت لاحق، نفي كل من السادات والأسد، من دون التذرع بحجة مقنعة، أنهما تقدما بطلب كهذا.
ومهما يكن من أمر، فالمهم أننا على وشك مشاهدة أعظم لغز فريد اخترعه بريجنيف واداره كيسنجر. ولقد رأى هذا الأخير في رسالة بريجنيف الإنذارية، ليس تهديدة فارغة فحسب بل تهديدا فارغا يخفي وراءه هدفأ، وظل الغموض يكتنف ما جرى في واشنطن في تلك الليلة من 24 تشرين الأول 1973.
لقد قرر کيسنجر بنوع خاص المضي قدما مع بريجنيف وحماية نفسه في الوقت ذاته في حال تبين أنه أساء فهم نية بريجنيف. وبناء عليه، لعب كيسنجر الورقة الرابحة التي أراده بريجنيف أن يلعبها، وإذ به يأمر بتوجيه إنذار نووي وافق عليه الرئيس نيكسون، ولما اصطدم بريجنيف بصورة الحرب النووية، لم يبق أمامه سوى إنكار طلب السادات بإرسال قوات سوفياتية والانسحاب برشاقة من التدخل في مصر، ولم يستطع أحد ولا حتى السادات أن يلومه على تراجعه أمام الجانب النووي. ومن خلال مساندة كيسنجر، تمكن الاتحاد السوفياتي من أن يتملص من مسؤولياته تجاه مصر وسلمها بالفعل للولايات المتحدة ولكيسنجر، ومن جهة أخرى، تمكن كيسنجر من خلال مساعدة بريجنيف، من إقناع «غولدا مائيره وزملائها بوقف التقدم الإسرائيلي والموافقة على وقف إطلاق النار، وكانت هذه