وتم تشجيع مستشاره القانوني وهو رجل حاد الذكاء وطلق اللسان برهن بعد سنوات عدة عن قدرته في معالجته قضية تحكيم طاباه، على محاولة إقناع السادات في اللحظة الأخيرة بأراء منتقدي وزير خارجيته. فقصد نبيل العربي السادات وانتظره بفارغ الصبر، فيما كان يواصل حديثا طويلا مع بيغن، ثم واجه الرئيس في مقره في كامب ديفيد.
أظهر السادات كالعادة تهذيبأ كبير، ودعا العربي إلى الجلوس وإلى شرح مشكلته، فتشجع العربي بسبب لطف السادات وتحدث لمدة خمس واربعين دقيقة من دون توقف مشددا على أنه، حسب رأيه القانوني، لا قيمة قانونا للأوراق التي طلب کارتر من السادات وبيغن توقيعها. ثم نصح السادات ألا يوقع على اتفاقات كامب ديفيد، وحين فرغ العربي من الكلام، سأله السادات إن كان لديه ما يضيفه، أجاب العربي كلا. فرد السادات قائلا: «الآن، استمع إلى ما سأقوله لك. لقد أصغيت إليك من دون مقاطعتك فلا أحد إذا يستطيع أن يدعي أنني لا أجيد الإستماع أو القراءة، لكنني أرغب في أن تعرف أن كل ما تفوهت به لم أعره أهمية على الإطلاق. فأنتم يا موظفي وزارة الخارجية، لديكم انطباع أنكم تفهمون السياسة لكنكم في الواقع لا تفهمون شيئا. فأنا لا أنوي في المستقبل أن أعبر كلامكم أو مذكراتكم أية أهمية. فخطواتي تديرها استراتيجية مهمة تعجزون عن رؤيتها أو فهمها. وأنني لا أحتاج إلى تقاريركم التافهة والمضللة. لقد أهان الآن وزيرك كامل الرئيس كارتر في حضوري. أولا يدرك أن الرئيس كارتر هو ورقتي الرابحة؟
فشلت المحاولات الأخيرة للحؤول دون إبرام الاتفاق، فوقع کارتر والسادات وبيغن اتفاقات كامب ديفيد التي مهدت الطريق أمام السلام بين مصر وإسرائيل في حفل ضخم أقيم في البيت الأبيض في 17 أيلول.
وإن نظرنا إلى محادثات كامب دايفيد بمراحلها المتعثرة، خاصة عند متابعتها في القدس في آذار 1979، والتي انتهت بتوقيع معاهدة السلام في واشنطن في 29 آذار 1979، لا بد وأن نستنتج أن تلك المحادثات هي من أكثر المفاوضات غرابة في عصرنا هذا، كانت التحالفات والانتماءات معقدة، أما الهدف الأخير، فبقي مبهما حتى النهاية. فولد السلام صدفة. وإن كان لهذه الصدفة من اسم فلا بد من أنه موشي دايان. لكن الأمر الأهم في ذلك اليوم التاريخي كان بروز إمكانية إحلال السلام بين مصر وإسرائيل.