أما نحن فقد رأينا في هذا التحول في الموقف العربي، دليلا مقبولا على إمكانية إجراء مصالحة للمرة الأولى، حيث انتقل التركيز القديم على هدف الإبادة، إلى إمكانية التوصل إلى حلول مع إسرائيل. لكن هذا التحول لم يطرأ على جميع البلدان، وبالطبع برزت استثناءات مؤلمة، إذ أن الليونة لم تتجل لا في الموقف السوري ولا في موقف معمر القذافي، فيما ظلت منظمة التحرير الفلسطينية تعتبر تدمير إسرائيل هدفها الأول والأخير. وكنتيجة للسلام مع مصر تحسنت العلاقة بين إسرائيل والعالم العربي خلال الثمانينات ولم تعد كلمة «سلام» كلمة منبوذة في الشرق الأوسط وإن اختلفت أوجهها.
وأما العلاقات بين البلدين، فكانت تسوي بأساليب كثيرة، في ما عدا مسالة طاباء الوحيدة التي وترت العلاقات المصرية - الإسرائيلية خلال الثمانينات. فالنزاع على امتداد ساحلي صغير، يشكل منطقة تبعد خمسة أميال عن إيلات في رأس خليج العقبة، اتخذ أبعادا مدهشة وغير متوقعة فقد بدأ النزاع البسيط بما فيه الكفاية حيث قامت في العام 1906، لجنة بريطانية - تركية مشتركة برسم الحدود بين مصر وفلسطين فتحركت اللجنة البريطانية بدلا عن مصر التي أصبحت لاحقا مستعمرة بريطانية.
قضية طابا أظهر الوصف الذي أعطي للحدود أن الأرض المتنازع عليها في طابا تقع شرق الحدود التي رسمت في العام 1906، أي في فلسطين وليس في المستعمرة البريطانية مصر، ولما عرف بيغن هذه الحقيقة بعد توقيعه على معاهدة السلام مع مصر، سمح ببناء فندق كبير في منطقة طابا الكائنة، وفقا للحدود المرسومة في العام 1906، ضمن الأراضي الإسرائيلية. لكن الحكومة المصرية ادعت بأن الواقع على الأرض، أي الحدود الحالية بين مصر وفلسطين، المستعمرة البريطانية، والخرائط التي رسمت خلال الانتداب وحتى تلك التي رسمتها إسرائيل بعد تأسيسها، تبين أن طابا تقع، من دون مجادلة، على الجهة المصرية من الحدود. أما إسرائيل فادعت من جهتها أن الحدود المرسومة من العام 1906، هي وحدها الحدود الشرعية، وهذا ما أثبته بدقة وبوضوح لجنة الفصل البريطانية التركية المشتركة. لقد جرى تعديل هذه الحدود اعتباطية وبطريقة غير شرعية على الخرائط التي وضعها البريطانيون خلال الحرب العالمية الأولى حين كان العثمانيون يسيطرون على شبه جزيرة سيناء بما فيها منطقة طابا المتنازعة عليها، وذلك بهدف