وكذلك ينبغي أن يعلم أن العالم بالله جل وعلا الذي يملك العلم والدليل لا يخوله ذلك لأن يسقط النصوص الشرعية على الأحوال النازلة ما لم يكن عارفًا بأحوال من نزلت فيه تلك النوازل، فربما ملك الدليل، ولم يملك معرفة الحال؛ ولهذا قد ذكر القاضي ابن أبي يعلى في كتاب الطبقات أن رجلًا جاء إلى الإمام أحمد عليه رحمة الله، فقال: إن أبي أمرني أن أطلق زوجتي، فقال له: لا تطلق، فقال الرجل: إن عمر قد أمر ابنه عبد الله أن يطلق زوجته فطلقها، فقال الإمام أحمد: حتى يكون أبوك كعمر بن الخطاب، وحتى تكون كعبد الله بن عمر. والمراد من ذلك أن هذا السائل جاء إلى الإمام أحمد عليه رحمة الله، وهو يحمل دليلًا معه، ولكنه لا يحمل آلة التطبيق، فسأل الإمام أحمد عليه رحمة الله عن ذلك، فقال الإمام أحمد: لا تطلق، فاحتج معه بالدليل، والعلة في ذلك أن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى حينما أمر ابنه أن يطلق ربما شاهد منها شيئًا لا يحب معه إظهار شيء من عيوبها له، فأراد ورود الستر مع الطلاق فاستحق ذلك، هذا أمر، ثم إن دوافع أولياء الأزواج من الآباء أو الأجداد ونحو ذلك ربما كان في نفوسهم حظ من حظوظ الدنيا، فإذا لم تحترمه زوجة ابنه، أو لم تقدم له طعامًا، أو تخدمه ربما وقع في نفسه عليها وحث ابنه على طلاقها، فكان حظ النفس مقدمًا على حظ الابن، وحق الله جل وعلا، وأما عمر بن الخطاب فليس في قلبه شيء من ذلك، ولا يمكن أن يقدم هذا؛ ولهذا إذا تجرد الإنسان من معرفة المآل ومعرفة الحال وملك النص، ولم يملك حال النظر في حال الإنزال ربما وقع فيما يخالف مقصود التشريع؛ ولهذا ربما يوجد من مقاصد التشريع ومآلات الأحكام ما يقضي على بعض النصوص، وهذا في نوادر الأحوال لا في أغلبها، وإلا فالأغلب أن الحال إلى خير هو الأصل.