هذا الأمر ينبغي أن يفهم أنه مقصد من مقاصد التشريع في تحقيق هذا العلم؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيح من حديث أبي هريرة: (من دل على هدى فله أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة) ، وهذه الدلالة لا بد أن تتحقق للتمييز بين الحق والباطل؛ فإن الإنسان لا يمكن أن يدعو إلى هدى إلا وقد عرف الهدى قبل الدعوة إليه، ولا يمكن أن يعرف طريق الشر ويحذر منه إلا وقد تحققت فيه معرفة ذلك الشر قبل الدعوة من التحذير إليه، فلما كان كذلك كانت الخطورة حينئذٍ في مقام العلماء، وتمييزهم عن الجهال.
الذين يرفعهم الله سبحانه وتعالى بالعلم على الحقيقة هم العلماء الذين تحقق فيهم الوصف، بخلاف الجهال الذين تحقق فيهم الجهالة، ورفعهم حينئذٍ العامة وسواد الناس، وصدروهم وجعلوهم من علية القوم، فيَضلون ويُضلون، ومعلوم أن الجهل إذا انزاح من الإنسان لا بد أن يحل محله العلم، وإذا انزاح العلم حل محله الجهل، وإذا انزاح العالم حل محله الجاهل، وإذا انزاح الجاهل حل محله العالم، وهذه سنة مطردة في كل حال، وفي كل زمن؛ ولهذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقِ عالمًا اتخذ الناس رءوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) .وهنا وقفات مهمة مع هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من جليل الأخبار وعظيمها، وكذلك من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام، بقوله: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا) ، هذا القابض هو الله، فيه دلالة على أن المبقي والرافع هو الله بالنسبة لمن تحقق فيه وصف العلم.