إن العلم هو أفضل العبادات على الإطلاق، وهذا بإجماع العلماء فرضه أفضل الفروض، وواجبه أفضل الواجبات، وسنته ومستحبه أفضل المستحبات على الإطلاق، وقد حكى الإجماع على ذلك جماعة من السلف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا مروي عن عبد الله بن عمر، و عبد الله بن عمرو و عبد الله بن عباس و أبي ذر و أبي الدرداء، وروي عن جماعة من التابعين، وهو قول الإمام مالك و الشافعي و أحمد و أبي حنيفة، وغيرهم من أئمة الإسلام، ومن نظر إلى نفسه في الحث على العلم وبيان فضله وبيان طرق السالكين له وجد ذلك ظاهرًا بينًا، بل إن الإنسان إذا استفرغ وسعه بتحصيل العلم، ولو كان من العلم المفضول إذا كان حفظ ذلك العلم مما تحفظ به تلك المسألة، ولا حافظ لها إلا ذلك الشخص كانت في حقه أولى من الفرائض ومتأكدات النوازل؛ ولهذا كان جملة من العلماء ربما تساهلوا ببعض النوافل، وتركوها لأجل تحقيق العلم، وقد جاء عن الإمام مالك عليه رحمة الله تعالى -كما رواه الخطيب البغدادي في كتابه الجامع، وكذلك رواه ابن عساكر- أن الإمام مالك عليه رحمة الله تعالى كان جالسًا في حلقة من مسجده فجاء أحد من أصحابه فوضع الألواح ثم ذهب يصلي، قال له الإمام مالك عليه رحمة الله: ما الذي ذهبت إليه بأفضل مما قمت منه، يعني بذلك طلب العلم؛ ولهذا يقول أبو زرعة عليه رحمة الله تعالى: آثرت مجالس الإمام أحمد عليه رحمة الله على النوافل، يعني: ما يفعله من الحرص على العلم أفضل من أداء النوافل في حال ورودها.
مع أنه ينبغي لطالب العلم أن يكون من المكثرين من العبادة والصلاة والاستغفار، وأن يكون له بذلك مزية وخصيصة عن غيره من عامة الناس؛ ولهذا كان العلماء عليهم رحمة الله تعالى لا يفرقون في أداء العبادة بين الحل والترحال، وهذا من حرصهم عليها.