الصفحة 34 من 36

لهذا ينبغي للعالم أن يكون بصيرًا بمسألة البلاغ، كما كان بصيرًا في مسألة التلقي، وأن يعلم طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلقي الوحي، كذلك في البلاغ، فيكون بصيرًا أيضًا فيها، وأن الله جل وعلا ما أنزل هذه الشريعة إلا وهي شريعة سمحاء، والمراد بذلك اليسر والسماحة وعدم التشديد على الناس، واليسر قد تقدم الكلام عليه في مسألة التدرج، وإذا علم أن الإنسان لا يصلح حاله مثلًا في بلاغ الحكم الشرعي إليه، ولم يكن هذا الحكم من الأمور المتأكدة، والواجبة على التغليظ والتأكيد، فعليه ألا يبلغ ذلك الإنسان بهذا الحكم، وإنما يتدرج معه بحسب صلاحه لحاله، كما تدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الإنسان إذا بلغه الدليل وجب عليه الاتباع، ولا مناص عنه، وإذا حاد عنه فإنه حينئذٍ يعاقب بتركه ذلك، ويستحق حينئذٍ العقاب، فلا يكون الإنسان عونًا لبعض العامة، أو من يستثقل بعض النصوص الشرعية عونًا للشيطان بصده عن سبيل الله سبحانه وتعالى.

وينبغي أن يعلم أن العلماء عند التحقيق على ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: العلماء العارفون بالله الذين عرفوا الشريعة نصوصًا واستنباطًا، عرفوا ما حث الشارع عليه من وجوه الاستدلال بالنظر بكلام الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك بالنظر إلى الأقيسة، والنظر والاعتبار، وكذلك أيضًا بالنظر إلى المقاصد وسد الذرائع ومعرفة المحكم من المتشابه، والناسخ من المنسوخ، والمطلق من المقيد، والعام من الخاص، وتمييز بعضها عن بعض، فهؤلاء يعرفون الأدلة، ويعرف بعضهم دليل بعض، فيعذر بعضهم بعضًا، ويعلم هؤلاء العلماء أن من خالفهم من المخالفين أنه إنما خالف لدليل وله وجهة نظر فيه، فيعذر بعضهم بعضًا. وبهؤلاء الناس، وبهذا الصنف، أو بهذه الطائفة الأمة مرحومة, وهي على سعة من أمرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت