لهذا ينبغي للعالم إذا أراد أن يسلك طريق العلم، وأن يكون على بصيرة بأمر الله جل وعلا وأن يكون مخلصًا في قوله وفعله، وأن يبتدأ تحصيل العلم لله سبحانه وتعالى؛ فإن أعظم ما يضل فيه الإنسان في هذا الباب أن يطلب العلم لغير الله، فإذا طلب العلم لغير الله فإنه يبلغه حينئذٍ لغير الله، فإذا بلغه لغير الله دعا الناس في حال عدم وجود معرفة لديه في مسألة أو نازلة دعاهم إلى شيء من غير التشريع يظنه ويزعمه تشريعًا، فدعا الناس حينئذٍ إلى البدعة؛ ولهذا اقترنت البدعة بالجهالة مع ادعاء العلم، وذلك أن البدعة تنسب إلى الشريعة بخلاف المعصية؛ فإن الإنسان يفعلها مع إقراره بمخالفة الشريعة، فهو يفعلها ويستغفر ويتوب، ويتوب الله جل وعلا عليه إن علم صدقه، بخلاف المبتدع الذي يفعل البدعة وينسبها زورًا للشريعة، فإن قلده الناس على ذلك كان الأمر متناسخًا، والإثم والوزر على ظهره باقيًا؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما جاء في حديث عبد الله بن عباس و أبي هريرة و أبي موسى، قال-: (إن الله لا يقبل من صاحب بدعة توبة) ، سئل الإمام أحمد عليه رحمة الله تعالى كما في بعض مسائله عن قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يتقبل الله من صاحب بدعة توبة) ، قال: لا يوفق إلى التوبة؛ وذلك أن الإنسان إذا فعل بدعة من البدع ودعا الناس إليها فرجوعه عنها من الصعوبة بمكان، وذلك أن الناس قد قلدوه على هذه البدعة وهذا العمل الذي يزعم أنه من الوحي، فإذا استمر الناس على هذا العمل، فيقع في نفسه، ويشرب في قلبه حب الأتباع، فإذا أشرب في قلبه ذلك علم أنه إن نكس على ذلك خسر أولئك الأتباع باتباعهم على تلك الضلالة بخلاف الذي يدعو إلى جهالة، فإنه لا يكابر وسيتوب، فإن تاب تاب الله جل وعلا عليه ورجوعه أقرب من رجوع صاحب البدعة، والناس حينئذٍ يتبعونه ويعلمون أن اتباعهم على هوى لا على علم، وكذلك أصحاب الغواية من