الصفحة 5 من 36

وفي قوله عليه الصلاة والسلام هنا: (حتى إذا لم يبق عالمًا) ، فالمبقي هو الله، (اتخذ الناس رءوسًا جهالًا) ، الذين اتخذوا الجهال هم الناس، وهم الذين صدروهم، فبقاؤهم ببقاء هؤلاء الناس الذين يرفعونهم على أكتافهم، فإذا زال هؤلاء العوام الذين صدروا هؤلاء الجهال زالوا بزوالهم، ولم يبق لهم حينئذٍ أثر، وبه يعلم أن ولاية العالم لا يمكن أن يسقطها أحد، وأما ولاية الجاهل فهي التي يسقطها الناس؛ لأنهم من جهة الأصل هم الذين رفعوها بلا ولاية العالم بعلمه وبقائه بإظهار الحق وبيانه للناس، والتحذير من الشر على أي حال وعلى أي صورة كانت، كذلك أيضًا إذا علم هذا علم أن رفعة الله جل وعلا للعالم وبيان منزلته له في هذه الدنيا لا يمكن أن تزول إلا بزوال ذلك السبب، وزوال ذلك السبب بالأسباب الشرعية التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إذا صار الإنسان عالمًا بعلم الله جل وعلا، إلا أنه لم يكن من العاملين بهذا العلم، فحينئذٍ يحق عليه الوصف أنه كحال علماء بني إسرائيل الذين حملوا العلم ولم يعملوا به، فاستحقوا المقت والعذاب من الله سبحانه وتعالى. والإنسان الآخر هو من تحقق فيه وصف العلم، لكنه نكس على عقبيه، فدعا إلى خلافه، فالأول قد تعلم العلم، ولكنه لم يعمل بذاته، والثاني تعلم العلم ودعا إلى غيره، فكان على بصيرة من جهة التحقيق بهذا العلم، فكتمه ودعا الناس إلى غيره، ففيه شبه أيضًا ببني إسرائيل، وهذا لا شك أنه أشد خطرًا، فذاك ضرره لازم على نفسه وخيره متعد إلى غيره، والثاني ضرره على نفسه ومتعد إلى غيره، وهو أشد تلبيسًا على العامة من الأول، وذلك أن الأول قد اتبع شهوات النفس، وأما الثاني فإنه اتبع شهوات الغير وباع دينه بدنيا غيره، وهو أشد ضلالًا وانحرافًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت