الصفحة 20 من 36

ومع ذلك نأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه عن أمثال هذه المقايضات حتى لا يكون في ذلك شيء من حظوظ النفس الدقيقة التي ربما ينساق فيها الإنسان إلى حظوظ النفس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم عليه الصلاة والسلام، ولكن أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يبين أنه كما أنه ورث العلم كذلك ورث تعامل العلماء مع الناس؛ فلهذا ينبغي للعالم أن يعرض عن وجهاء الدنيا، وكذلك عن أموالها، وألا ينغمس فيها، وأن يسوس نفسه ما سلم له الدين، فإذا وجد الإنسان أنه كلما ازداد علمًا قرب من الدنيا وحظها فليعلم أنه يبتعد من الله؛ ولهذا يقول سفيان بن عيينة قال: ما ازداد الرجل علمًا، فازداد من الدنيا قربًا إلا ازداد من الله بعدًا، وذلك أن العالم علمه يبعده عن الدنيا، وعن التعلق فيها، فإذا وجد أنه كلما ازداد مرتبة ازداد تعلقًا بالدنيا، فليعلم أنه قد ابتعد من الله سبحانه وتعالى، ولينظر إلى أمسه ويقارنه بيومه، ولينظر إلى عامه الماضي وليقابله بعامه هذا من جهة تعلق قلبه بالدنيا، فإذا وجد القلب قد تعلق بالدنيا بقدر تقدمه بالعلم فليعلم أن قلبه قد شابته شائبة، ووقع فيه حظ من حظوظ الدنيا، وهذه المعادلة شبه مطردة لا يكاد يسلم منها أحد. وما ضلت الأمة وانحرفت إلا حينما سلك المتعلم طريق العلم، وسلك طريق التحصيل، فوجد أن الدنيا قد سيقت إليه من أبواب الفتن والامتحان والاختبار، فإذا تشبث بها وأمسك بأهدابها، وتعلق بزمامها، فليعلم أنه قد ضل، وبقدر تعلقه بالدنيا حينئذٍ ينحرف عن طريق الحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت