أجمع المفسرون -إلا ما جاء في بعض الروايات عن عكرمة و علي بن أبي طالب وأسانيدها ضعيفة- على أن الظلم المراد في هذه الآية هو الإشراك بالله جل وعلا، وأن الذي لم يعدل مع الله جل وعلا في الأرض أن الله جل وعلا لا يحقق له الأمن، والأمة لا يمكن أن تجتمع على غير التوحيد، لا يمكن أن تجتمع على أسماء من غير ثبوت أحكام فيها، أحكام شرعية تتحقق فيها مسائل التوحيد قولًا وعملًا، فإذا لم تتحقق فيها الأحكام وتوفر فيها الأسماء حينئذٍ تضل الأمة للأسف الشديد في هذا الباب وتصبح جوفاء وغثاء كغثاء السيل؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما ذكر أن الأمم تتداعى على هذه الأمة كما تتداعى الأكلة على قصعتها قالوا: (يا رسول الله! أو من قلة نحن؟ قال: أنتم حينئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل) ، وسبب هذا الغثاء في الأمة أن الأمة تعلقت بأمر الدنيا وكرهت الموت. وأعظم ما تتعلق فيه الأمة في أمر الدنيا أن ينقلب الشرك إلى متاجر، فأصبحت المزارات مواضع اقتصادية وسياحية، فأصبحت تدافع عنها السياسات والدول، وتجعلها ضمن الأوقاف، وتوضع القبور للطواف عليها، وكذلك جلب السواح الذين يكونون من أقطار العالم الإسلامي، وهناك من الأضرحة والقبور من يزورها في العام أكثر ممن يزور البيت الحرام، وقد رأيت بعيني بعض المواضع في بلاد الهند من القبور والأضرحة ما يجتمع فيها في اليوم الواحد مليونان من المسلمين ممن يدعي الإسلام وهو محسوب على أمة الإسلام، وداخل في أرقامها، وهؤلاء غثاء كغثاء السيل، والسبب في ذلك هو الخلط في مقام العلم ومراتبه، والخلط في فهم العلم، وتبليغه للناس، وبيان الأمة الحقيقية التي تعرف العلم الشرعي ممن تأخذ المراتب المفضولة، وتدع المراتب الفاضلة.