فهرس الكتاب
تقدمت الإشارة إلى أن أصل الخلاف في هذا أن المسعى كان خارج المسجد والله جل وعلا يقول في كتابه العظيم: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29] والبيت هو المسجد، فلما كان كذلك فإن من طاف خارج البيت العتيق -والمقصود به هو المسجد، فإذا أطلق البيت فالمراد به"الكعبة"وما بني حولها مما يلحق فيها من أماكن العبادة- فإن طاف خارجها كان طوافه ليس بصحيح؛ لهذا قال العلماء: إن من طاف وإن كان في المسعى طوافه ليس بصحيح، وكان أصل المسألة فيما يظهر لي: أن بعض الناس حينما يقرب من نهاية الطواف يخرج من المسجد إلى المسعى، فيسعى يسيرًا ثم يرجع إلى الصفا، فيكون شيئًا من طوافه في المسعى، ثم يبتدئ بالسعي بين الصفا والمروة. أولًا يقال: لما اتصل المسعى بالمسجد ودخل فيه، وكذلك أيضًا قد دخل فيه ما خلفه فكانت الصفوف تتصل ويصلي الناس صلوات الفريضة في هذه الأماكن؛ دل على دخول المسعى فيه من باب أولى. ثم إنه ليس من التعليل والنظر أن يكون ما خارج المسعى داخلًا في المسجد، ثم تتصل الصفوف فيصلي الناس في المسعى فتكون صلاتهم بصلاة الإمام، وما خلفهم بصلاة الإمام داخلة في صلاة الجماعة، فإذا انصرفوا من صلاة الجماعة لم تكن البقعة التي هم فيها داخلة في المسجد، هذا لا يؤيده النظر. ثم أيضًا لما اندثر الفاصل، وهو ما كان بين المسجد والمسعى من سوق ومتاجر وأماكن لحوانيت الطعام، وللبيع والشراء، والمساكن .. ونحو ذلك، لما اندثرت واتصلت الصفوف وجب أن يكون ذلك المسجد.
ويلحق بهذا الفرع عدة مسائل: مسألة الطهارة في دخول المسجد، مسألة دخول الحائض: هل تدخل المسجد أم لا؟ فينبغي لمن قال بعدم دخولها البيت ألا تدخل المسعى، ومن قال بجواز دخولها المسجد ألا تدخل بالبيت، ومن علق علة نهي النبي عليه الصلاة والسلام الحائض أن تطوف بالبيت بعدم الدخول لهذه البقعة، فينبغي تعليقه كذلك في المسعى.