ومعنى السياسة أن الإنسان بطبعه, برأيه, بقوله, بفعله, يخرج عن الجادة مع طول الزمن وتقادمه؛ وذلك أن الإنسان في داخله شيء من مطامع النفس وهواها، ربما يصورها على أنها آراء أو أقوال حقيقية، ثم يحيد مع الزمن إلى غير مراد الله سبحانه وتعالى. والله جل وعلا قد جعل في الإنسان فطرة ونزوة، وهي جانب الشهوات، جوانب الشهوات لا حد لها ولا حصر، وهي التي تنبت عليها الآراء والأفكار والشبهات، ثم بعد ذلك تتحول على أنها مدارس فكرية ونظرية في ذلك، وإنما هي غرائز. لهذا ما من شبهة ولا يوجد رأي شاذ إلا وأصله قد نبت على شهوة وغريزة، وهذه الغريزة لا يبوح بها صاحبها، وإنما يشرعها بشيء من الرأي؛ فإذا الظالم أراد أن يستحوذ بالمال لحبه للمال بحث عن مشرع له، ثم أصبح بعد ذلك دينًا وشريعة، وإذا أحب الإنسان غريزة السمع والبصر والشهوة من جهة فرجه أو مطعمه أو تملكه، أخذ ذلك عن طريق الشهوة، ثم أراد بعد ذلك أن يسول له أن هذا من العمل المباح، وأخذ يُنَظِّر له. ولهذا لما كانت الشبهات متلازمة مع هذه الشهوات وتتزاوج وتنتج بعد ذلك عقائد فاسدة، جاء الله عز وجل بالأنبياء، وجاء الله عز وجل بالرسل، جاء الله عز وجل بنذر الحق وأنزل عليهم الكتب، ليسوسوا الناس ويعيدوهم إلى جادة الحق، لهذا إذا ترك الإنسان لنفسه العنان، واسترسل بخطراتها فللنفس وساوس ولها غرائز, تتزاوج الأهواء والأفكار بالشهوات حتى تنتج من ذلك مدارس بعيدة عن منهج الله سبحانه وتعالى.