فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 55

ولهذا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم كلما ذهب نبي خلفه نبي بعده) ، المراد من هذا أن الناس كحال القافلة التي تسير في الأرض مع طريقهم يتيهون عن ذلك، ويتفرقون جماعات ينفرد منهم أناس يمنة ويسرة، ويأتي النبي ويقوم بجمع الناس وإعادتهم إلى تلك الجادة، هكذا كلما هلك نبي جاء نبي بعده، يعني: أنه لا بد من المتابعة حتى يستقيم أمر الأمة.

في استعمال لفظ السياسة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم) ، يعني: أنهم يعيدونهم على سبيل التدرج شيئًا فشيئًا، ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول كما في الحديث: (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين) ، يعني: أن الإنسان ربما ينحرف ويجتال من حيث لا يشعر، ولهذا الإنسان ربما ينقلب اتجاهه درجات كاملة عن الاتجاه الذي سعى إليه مع مرور الزمن من حيث لا يشعر. ولهذا الإنسان إذا سلك طريقًا في الأرض أو في البحر، إذا كان الانحناء في ذلك بعيدًا فإنه ينعكس اتجاهها من حيث لا يشعر، وربما الإنسان إذا أراد أن يصلي في برية أو في طريق سفر يتجه إلى غير القبلة؛ لأنه يظن أن الاتجاه إلى هذه الجهة بينما هو استدار من حيث لا يشعر، أما الاستدارة القريبة فيشعر بها الإنسان ولو كانت يسيرة، ولهذا مع طول الأمل ومع طول الأمد تتغير النفوس والأفكار والآراء وكذلك العقائد من حيث لا يشعر الناس، ولهذا الإنسان بحاجة إلى شيء من السياسة ولشيء من الرعاية، ولهذا الإنسان حينما يكون راعيًا على بهائمه من الإبل والبقر والغنم وغيرها، يقوم بجمعها في حال مسيرها حتى لا تفترق، مع البون في بني آدم وهذه البهائم، إلا أن الناس في سيرهم في الأرض يتدرجون من حيث لا يشعرون في الباطن، ولكن البهائم أسرع من بني آدم، وبنو آدم في ذلك أبطأ ويتفقون بعد ذلك في الغاية، ما لم يبعث الله عز وجل أنبياء يسوسون البشرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت