كذلك النبي صلى الله عليه وسلم في سياسته حتى في دعوته للناس ينظر إلى الحق الذي يتجزأ والحق الذي لا يتجزأ، الحق الذي لا يتجزأ يرفض النبي صلى الله عليه وسلم تجزئته؛ لأن التجزئة تشويه له، والحق الذي يتجزأ النبي صلى الله عليه وسلم يقبل تجزأه؛ لماذا؟ لأن بعض الحق أهون من باطل كامل، ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بين التوحيد وبين أداء الصلاة، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا كفار قريش إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، وترك الأصنام بالكلية، لا مساومة لصنم واحد منها، بل إزالة الأصنام بالكلية، وعبادة الله سبحانه وتعالى وحده، جاءه كفار قريش كما روى ابن جرير الطبري وغيره: (جاء كفار قريش فقالوا: اعبد آلهتنا ستة أشهر، ونعبد إلهك ستة أشهر) ، وأرادوا من ذلك توسطًا، لكن هل التوحيد يقبل التجزئة أو لا يقبل التجزئة؟ لا يقبل التجزئة، وهو كفر كله؛ لماذا؟ لأن التوحيد باطل, بمجرد أنني أقتنع أن لكم أن تعبدوا أصنامكم ولو بعد ستة أشهر فهذا كفر، بمجرد وجود القناعة القلبية في هذا؛ لأن الإيمان قول وعمل واعتقاد، فلم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم منهم ذلك، ولهذا أنزل الله عز وجل قوله: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [الكافرون:1 - 3] ، فجعل في ذلك المفاصلة والمفارقة، ولكن حينما جاءه رجل أراد أن يبايعه في أمر الصلاة، كما روى الإمام أحمد في كتابه المسند من حديث قتادة عن نصر بن عاصم: (أن رجلًا منهم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يبايعه، ولكنه يشترط ألا يصلي إلا صلاتين، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: بايع وصل صلاتين) ؛ لأنه كان وثنيًا، وسيدخل التوحيد، وما بعد التوحيد هو أداء الصلاة، يؤمن بها إيمانًا أنها خمس، ولكنه يعجز عن أداءها؛ لماذا؟ لأن العرب حينما كانوا