فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 55

وكما جاء في الصحيح: (أن أعرابيًا جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكان جالسًا مع أصحابه فيقول: أيكم محمد) ، يعني: أن محمدًا لم يكن على عرش ولم يكن على موضع معين، (بل قال: أيكم محمد؟ فيقولون: هذا الرجل الأبيض المتكئ) .

ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يجعل له موضعًا يميزه عن أصحابه، إلا إذا أراد أن يتحدث لجماعة جعل له منبرًا عليه الصلاة والسلام ليراه الناس ويبلغهم الخطاب، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعنف سائلًا وإن كان في سؤاله ساذجًا، أو في طريقته أو نحو ذلك، بل يعلمه ليأتي حتى يستزيد من الخير رحمة؛ لماذا؟ لأن ثمة أمرًا دقيقًا من الانتصار للنفس، هو الذي يعطل مشاريع الإصلاح، ومشاريع الدعوة، ومشاريع وحدة الأمة وهو حظوظ النفس، وحب القيادة. وكذلك الانتصار للنفس فإذا بلغه كلام عن صاحبه هجره وهجر من معه، ويقال: هو دفاع عن النفس, ينبغي أن نغلب جانب وحدة الأمة، ولو كنت أعلم أن من ينضوي معه رجلًا يكرهني، أو يتكلم فيّ، أو ربما بيني وبينه عداوة؛ لأن المراد بذلك وحدة الأمة, فلا ينتصر الإنسان لنفسه، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبلغه أن الناس تتكلم فيه ولكنه كان يتغافل. يقول البخاري رحمه الله كما في الصحيح يقول: باب من أخبر صاحبه ما يقال فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم لما كان قادمًا من غزوة تبوك تكلم فيه بعض المنافقين لما قالوا: (ما رأينا مثل قراءنا هؤلاء؛ أرغب بطونًا, ولا أجبن عند اللقاء، ولا أكذب ألسنًا, يعني: من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ذهب وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام) ، إذًا النبي يعلم القالات التي تدور في مجالس الناس، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتغافل؛ لأن الغفلة كما يقال: ثلاثة أرباع العافية, ويقول بعض العلماء: هي العافية كلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت