لهذا ينبغي للإنسان أن يكون من أهل المعرفة بالحق في ذاته وأهل التبصر به، وكذلك معرفة الأدلة الواردة في ذلك قدر إمكانه ووسعه، وهذا من أحوج ما يكون إليه الناس في زماننا، وذلك دفعًا للشر ودفعًا للفتنة، وكذلك توضيحًا وتجليةً للحق الظاهر البين، ونحن أحوج ما نكون إلى إظهار البينات المحكمات التي هي أصل الدين في زمن وجد أو سهل الوقوف على مسائل العلم، فكثير من مسائل العلم البينة الظاهرة يتخللها شيء من الأمور المتشابهة، سواءً ما يتعلق بالأمور المنسوخة أو ما يتعلق بالأمور الخاصة أو ما يتعلق بأمور قضايا الأعيان أو ما يتعلق بالأخبار الضعيفة المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فهمت على غير وجهها، فإنها تظهر للناس أكثر من ظهور المحكمات البينات، وهذا سبيل أهل النفاق الذين يبغون الفتنة، كما في قول الله جل وعلا: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:7] ، مع كون هذه المتشابهات أمورًا قليلة، وذلك أن الأمر البيني أو القضية البينية التي هي بين قطبين تكون ضعيفة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عامر بن شراحيل عن النعمان عليه رضوان الله تعالى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات) ، وفي رواية وهي الأصح: (مشبهات لا يعلمهن كثير من الناس) .