القول الأول: يجوز للسلطان التعزير بأخذ بعض المال، وإليه ذهب أبو يوسف من الحنفية [1] ، والشافعي في القديم [2] ، وبعض الحنابلة [3] ، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه [4] .
قال في البحر الرائق: (وقد قيل روي عن أبي يوسف أن التعزير من السلطان بأخذ المال جائز) [5] .
وناقش بعض الحنفية معنى التعزير عند أبي يوسف بأنه أراد بأخذ المال على القول به إمساك السلطان شيء من ماله عنده مدة لينزجر ثم يعيده الحاكم إليه لا أن يأخذه الحاكم لنفسه أو لبيت المال؛ كما يتوهمه الظلمة؛ إذ لا يجوز لأحد من المسلمين أخذ مال أحد بغير سبب شرعي [6] .
قال ابن تيميه: (التعزير بالمال سائغ إتلافا وأخذا، وهو جار على أصل أحمد) [7] .
واستدلوا على جواز أخذ بعض المال تعزيرا بما يلي:
1 -ما روى عوف بن مالك قال: قتل رجل من حمير رجلا من العدو، فأراد سلبه، فمنعه خالد بن الوليد وكان واليا عليهم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عوف بن مالك فأخبره، فقال لخالد:"ما منعك أن تعطيه سلبه"؛ قال: استكثرته يا رسول الله، قال: ادفعه إليه، فمر خالد بعوف فجر بردائه، ثم قال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغضب، فقال:"لا تعطه يا خالد، لا تعطه يا خالد، هل أنتم تاركون لي أمرائي، إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعى إبلا أو غنما، فرعاها، ثم تحين سقيها، فأوردها حوضا، فشرعت فيه، فشربت صفوه، وتركت كدره، فصفوه لكم، وكدره عليهم" [8] .
وجه الاستدلال:
قوله"لا تعطه يا خالد": حيث منعه سلبه من باب التعزير بالمال [9] ؛ لأجل مصلحة التأديب [10] .
ونوقش: بثلاثة أوجه: أحدها لعله أعطاه بعد ذلك للقاتل، وإنما أخره تعزيرا له ولعوف بن مالك لكونهما أطلقا ألسنتهما في خالد رضي الله عنه وانتهكا حرمة الوالي ومن ولاه.
الوجه الثاني: لعله استطاب قلب صاحبه فتركه صاحبه باختياره وجعله للمسلمين، وكان المقصود بذلك
(1) الفتاوي الهندية ج2/ ص167، البحر الرائق ج5/ ص44، حاشية ابن عابدين ج4/ ص61.
(2) ينظر شرح السيوطي لسنن النسائي ج5/ ص16.
(3) ينظر كشاف القناع ج6/ ص125.
(4) ينظر حاشية ابن القيم ج4/ ص318.
(5) البحر الرائق ج5/ ص44.
(6) ينظر الفتاوى الهندية ج2/ ص167، البحر الرائق ج6/ ص234.
(7) ينظر الفتاوى الكبرى ج4/ ص601.
(8) أخرجه مسلم في باب استحقاق القاتل سلب القتيل، ح (1753) ، صحيح مسلم ج3/ ص1373.
(9) ينظر الديباج على مسلم ج4/ ص357.
(10) ينظر عون المعبود ج7/ ص279.