وجه الاستدلال:
كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو ولعب، وما كان كذلك فهو مذموم، واللذة التي تعقب ألما في الآخرة، ولا توصل إلى لذة هناك باطلة إلا ما استثني، وكذا المسابقة بالخف والقدم صارت مستثناة من التحريم بالنص؛ كما سبق بيانه، فبقي ما وراءها على أصل الحرمة، فيحرم ما سواها من اللهو؛ لأنه باطل، والباطل في النار.
ولأن الاستثناء يحتمل أن يكون لمعنى لا يوجد في غيرها، وهو الرياضة والاستعداد لأسباب الجهاد في الجملة فكانت لعبا صورة، ورياضة وتعلما لأسباب الجهاد، فيكون جائزا إذا استجمع شرائط الجواز، ولئن كان لعبا لكن اللعب إذا تعلقت به عاقبة حميدة لا يكون حراما، ولهذا استثنى ملاعبة الأهل لتعلق عاقبة حميدة بها، وهو انبعاث الشهوة الداعية إلى الوطء الذي هو سبب التوالد والتناسل والسكنى، وغير ذلك من العواقب الحميدة، وهذا المعنى لا يوجد في غير هذه الأشياء فلم يكن في معنى المستثنى، فبقي تحت المستثنى منه [1] .
ونوقش: بأن قوله -صلى الله عليه وسلم-:"كل لهو باطل"ليس معناه أنه حرام، بل المراد أن اللعب مذموم، ولم يرضه العلماء بل كانوا يكرهون أن لا يرى الرجل في إصلاح معاش ولا في إصلاح معاد؛ لأنه قطع زمان فيما لا يترتب عليه فائدة دنيوية ولا أخروية، وفي القرآن (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا) [الإسراء: 37] إذ يشير إلى هذا المعنى، أو المراد بقوله:"كل لهو باطل إلا ...": أنه عبث، أو كالعبث ليس له فيه فائدة، ولا ثمرة تجنى بخلاف اللعب مع الزوجة فإنه مباح يخدم أمرا ضروريا وهو النسل، وبخلاف تأديب الفرس، وكذلك اللعب بالسهام فإنهما يخدمان أصلا تكميليا، وهو الجهاد فلذلك استثنى هذه الثلاثة من اللهو الباطل، فهو مباح غير مطلوب الفعل ولا الترك بخصوصه [2] .
أو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم:"كل لهو باطل"يعني إذا شغله عن طاعة الله؛ ولذا ترجم له البخاري رحمه الله تعالى [3] : باب كل لهو باطل إذا شغله عن طاعة الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك، وقوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) [لقمان: 6] [4] ؛ لأنه إذا لم يشغله عن طاعة الله يكون مباحًا حيث ورد بأدلة أخرى أن الشرع أباح للجاريتين يوم العيد الغناء في بيت عائشة من أجل العيد [5] ، وأباح لها النظر إلى لعب الحبشة بالحراب في المسجد [6] ، وعن أنس رضي الله عنه قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة تسمى العضباء لا تسبق، قال حميد: أو لا تكاد تسبق، فجاء أعرابي على قعود فسبقها، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه، فقال:"حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه" [7] .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سابقني النبي صلى الله عليه وسلم فسبقته، فلبثنا حتى إذا أرهقني اللحم سابقني فسبقني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"هذه بتلك" [8] .
(1) ينظر بدائع الصنائع ج6/ ص206.
(2) ينظر الموافقات ج1/ ص129 - 130.
(3) ينظر صحيح البخاري ج5/ ص2321.
(4) ينظر الجامع لأحكام القرآن، ج14/ ص52، بدائع الصنائع ج6/ ص206، فيض القدير ج5/ ص23.
(5) في حديث أخرجه البخاري في باب الحراب والدرق يوم العيد، ح (907) ، صحيح البخاري ج1/ ص323، ومسلم باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد، ح (892) ، صحيح مسلم ج2/ ص607.
(6) أخرجه البخاري في باب التحريض على الرمي وقول الله تعالى:"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم"، ح (2745) ، صحيح البخاري ج3/ ص1063، ومسلم بنحوه في باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد) ح (892) ، صحيح مسلم ج2/ ص608.
وينظر عمدة القاري ج22/ ص273.
(7) أخرجه البخاري في باب ناقة النبي صلى الله عليه، ح (2717) ، صحيح البخاري ج3/ ص1053.
(8) أخرجه النسائي في مسابقة الرجل زوجته، ح (8942) ، سنن النسائي الكبرى ج5/ ص303، وأبو داود في باب في السبق على الرجل، ح (2578) ، وسكت عنه، سنن أبي داود ج3/ ص29، وابن حبان في ذكر إباحة المسابقة بالأقدام إذا لم يكن بين المتسابقين رهان، ح (4691) ، صحيح ابن حبان ج10/ ص545، وقال في التلخيص الحبير ج4/ ص162: واختلف فيه على هشام.