فصل
ما رواه أب داود - وغيره عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: وحكيت له - (- إنسانًا. فقال:(( ما أحب أني حكيت إنسانًا وأن لي كذا وكذا ) ).
وقد تقدم بيان دلالة هذا الحديث علي تحريم (( التمثيل ) )في الكلام علي الدليل الثاني.
وقوله: (( وأن لي كذا وكذا ) )أي لو أعطيت من الدنيا شيئًا كثيرًا بسبب ذلك فهي جملة حالية وإرادة للتعميم والمبالغة. ذكره المناوي 5/ 411.
وقد يقال: أن هذا الحديث وارد علي حكاية إنسان معين، فلا يتناول غيره.
فنقول: إن تناوله غير المعين أولي، لأن محاكاة غير المعين إلي الجنون والخبل أقرب من غيرهما.
وقد تقرر في علم الأصول: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وقوله: (( إنسانًا ) )نكرة في سياق النفي فتعم المعين وغير المعين، بل هي في غير المعين أولي - كما ذكرنا - لأن العاقل إذا استولي عليه الغضب قد يحاكي شخصًا أساء إليه انتقاما. أما غير العقلاء، فالمعهود منهم، محاكاة الخيال وتمثيل الأحلام.
ولا يرد علي هذا الحديث ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: (( رأيت النبي(يحكي نبيًا من الأنبياء يمسح الدم عن وجه ) ).
لأن هذه المحاكاة ليست علي سبيل التنقص.
ولأنها محاكاة جزئية جري الناس عليها دون نكير - إذا لم يرد بها الانتقاص - كما تقول ضرب المدرس الطالب ضربًا شديدًا هكذا. ثم تشير إلي هيئة الضرب.
وأما أصحاب (( التمثيل ) )فإن محاكاتهم كلية. والفرق بينهما وبين الجزئية أن الأولي مسقطة للعدالة، والثانية ليست كذلك. بدلالة العرف الجاري.