الصفحة 22 من 46

وهذا ليس مخصصا بالطعام فحسب وإنما هو بمثابة البيان لما يتحقق به القبض وأنه في كل شيء بحسبه وأنه لا يكتفى فيه بمجرد النقل جزافا، إذ لو اكتفى فيه بذلك لما امتنع بيعه.

كما ناقشوا أدلة أصحاب القول الثالث الذين قالوا: إنه يكتفى بالتخلية بما يلي:

أولا: استدلالهم بأن الشرع قد اعتبر التخلية قبضا في باب البيع فيجب اعتبارها هنا.

إن هذا الاحتجاج يمكن أن يحتج به لـ"أبي يوسف"إذ أنه أحد أئمة الفقه الحنفي وله أن يسلم لأقرانه من أئمة مذهبه أو يعارضهم، إلا أنه لا يلزم أصحاب المذاهب الأخرى الذين يقولون: إن القبض في البيع لا يكتفى فيه بالتخلية، بل لابد فيه من النقل، فلا يحتج عليهم بما يمكن أن يلزم أبا يوسف.

وإما أن التخلية قبض في العرف فإنه لا يقبل؛ لأنه في غير محل النزاع إذ أنه لا نزاع بين الفقهاء في أن التخلية في العقار تعتبر قبضا عرفا وليست كذلك في المنقول.

ثانيا: قولهم: بأنه يلزم جعل التخلية قبضا في المنقول فرار من الاشتراك الذي هو خلاف الأصل.

إن هذا القول لا يقبل أيضًا؛ لأن هذا المحذور يوجد لو لم يقم الدليل على اعتبار النقل والتحويل بل والتقدير فيما يحتاج إلى تقدير، أما وقد وجد الدليل على اعتبار ذلك فلا محذور وهذا الدليل هو ما سبق أن ذكره أصحاب المذاهب الأخرى.

هذا وقد ناقش أصحاب القول الثاني أدلة أصحاب القول الثالث بما يلي:

إن القبض الحقيقي لا يتحقق إلا بالنقل، أما التخلية فالذي يتحقق بها القبض الحكمي، فلا يكتفى فيه. ثم إن قبض المرهون يترتب عليه إنشاء ضمان على المرتهن لم يكن ثابتا قبل العقد فلابد فيه من تمام النقل بالقبض ليحدث الضمان.

وبعد، فقد تبين من المناقشات السابقة أن الشافعية والحنابلة متفقون مع أبي يوسف في المراد بالقبض وهو القبض المعهود في البيع، فقبض الرهن كقبض البيع.

فإن كان عقارا أو مما لا ينقل كالأرض والدار يكون قبضه بالتخلية.

وإن كان منقولا فيكون قبضه بنقله أي: أخذه من راهنه فعلا.

الرأي الراجح:

بالنظر في أدلة أصحاب الأقوال المختلفة والمناقشات التي وردت عليها أمكن القول بأن الرأي الأول القائل بأن قبض المنقول الذي رهن مكيلا أو موزونا لابد فيه من التقدير والنقل هو الأولى والأرجح لما يلي:

1 -أن فيه إعمالا للأدلة كلها؛ لأن قولهم يتفق مع أصحاب القول بالتخلية ويحقق في الوقت نفسه قول الذين قالوا بالنقل والتحويل في الجملة كما يحقق قولهم بالتقدير، وهذا واضح لا خفاء فيه.

ولا شك أن إعمال الأدلة كلها أولى من إهمالها أو إهمال بعضها كما جاء في القاعدة الفقهية:

"إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما".

والله تعالى أعلى وأعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت