يجاب عن هذا الاعتراض بأن القبض حيث كان شرطا في الابتداء فإنه يكون شرطا في الدوام والاستمرار؛ لأن الأصل إن كان شرطا في الابتداء يظل شرطا في الدوام وذلك مثل: الطهارة بالنسبة للصلاة، وزوال المحرمية بالنسبة لمحل النكاح، فيكون الأمر كذلك هنا.
وناقش أصحاب القول الأول أدلة أصحاب القول الثاني على ما يلي:
أولا: اعتراض على وجه الاستدلال من الحديث الأول بأنه ليس المراد من الحديث جواز الانتفاع بالرهن إذ لو كان المراد بيان ذلك لما جعله في مقابل النفقة؛ لأن انتفاع الراهن بالمرهون إنما هو بحق الملك لا بطريق المعارضة بين الانتفاع والنفقة.
إنما المراد: بيان حل انتفاع المرتهن بالركوب والشرب في مقابلة النفقة.
ويؤيد هذا ما جاء في بعض الروايات بلفظ: «إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشرب نفقته» [1] ، وعلى ذلك: فالحديث ليس فيه دلالة لكم.
ثانيا: اعترض على وجه الاستدلال من الحديث الثاني بما يلي:
أن الحديث جاء من أجل تحريم ما كان عليه العرب في الجاهلية من الاستيلاء الكلي على المرهون وتملكه إذا لم يف الراهن في الأجل المضروب، فأبطل الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذه العادة وأكد ذلك بما جاء في الحديث ويكون معناه: أن الرهن يبقى على ملك الراهن وأثر هذه الملكة أن له زوائده التي تنتج منه وعليه نقصانه.
وهذا لا يمنع من حبسه حبسا مؤقتا لأجل حمله على الوفاء بإسراعه به أو يكون معنى قوله - صلى الله عليه وسلم: «له غنمه وعليه غرمه» أنه إذا بيع الرهن بالدين وزاد ثمنه فالزيادة له، وإن نقص عنه فالنقصان عليه.
ثالثا: أما قياسه على البيع فقياس مع الفارق فإن عقد البيع المستوفى للأمور المشروعة لتحقيقه وانتفاء موانعه ينفك فيه الملك من البائع إلى المشتري نقلا مطلقا، فتكون ذمة البائع مفرغة من تملك هذا البيع، وتكون ذمة المشتري مشغولة بتملكه، فإذا أعاده إلى البائع أو غيره بعارية أو إجارة ونحو ذلك فهذه الإعارة عقد جديد لا صلة له بالعقد الأول، وهذا بخلاف الرهن فإن ملكية الراهن لم تزل عنه، وإنما انتقل إلى المرتهن على جهة الرقابة؛ لأجل حفظ حقه. فإذا رجع إليه اختيارا من المرتهن فقد رجع إلى من يملكه.
وأما قياسه على الهبة: فهو قياس مع الفارق أيضًا وبيانه أن القبض في ابتدائها بتثبيت الملك، فإذا أثبت استغنى عن القبض ثانيا. والراهن يراد للوثيقة ليتمكن من بيعه واستيفاء دينه من ثمنه، فإذا لم يكن في يده لم يتمكن من بيعه ولم تحصل وثيقة.
وأما استدلالهم بالمعقول فإن دعوى إضاعة المال وتعطيل المنافع يمكن تلافيها.
الرأي الراجح:
يتبين بعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم ومناقشة ما ورد عليها أن القول الأول هو الأولى والأرجح لما يلي:
1 -قوة أدلتهم.
(1) نيل الأوطار للشوكاني: (5/ 264) ، المحلى لابن حزم: (8/ 88) .