الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول على أن الرهن أمانة مطلقا بالسنة والمعقول.
أما السنة:
ما رواه الإمام الشافعي - رضي الله عنه - حيث قال: أخبرنا ابن أبي فديك عن ابن شهاب عن ابن المسيب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه» [1] .
وجه الدلالة:
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل غرم الرهن على الراهن وإنما يكون غرمه عليه إذا هلك أمانة، أما إذا هلك مضمونا فإن غرمه على المرتهن، وقد أكد النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بقوله: «له غنمه وعليه غرمه» أي: فله زوائده، وعليه عطبه ونقصانه [2] .
وأما المعقول: فمن وجهين:
أحدهما: أن الرهن إذا كان وثيقة بالدين فلا يسقط الدين أو شيء منه بهلاكه اعتبارا بهلاك الصك والشهود؛ لأن الوثيقة يراد بها معنى الصيانة، وسقوط الدين إذا هلك الرهن يتنافى مع هذه الصيانة؛ لأن الحق يصير عرضة للهلاك وهو ضد الصيانة فصار أمانة بالضرورة [3] .
ومعنى هذا أن عقد الرهن شرع وثيقة بالدين، ولو سقط الدين بهلاك المرهون لكان ترهينا لا توثيقا.
وثانيهما: أن وجود الرهن في يد المرتهن حدث برضا الراهن فكان بسبب الرضا أمينا كالوديع بالنسبة للمودع.
واستدل أصحاب القول الثاني القائلون بالضمان مطلقا بالسنة والإجماع والقياس.
أما السنة:
1 -ما روي أن رجلا رهن فرسا فنفق - مات - في يده فاختصما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال للمرتهن:"ذهب حقك" [4] .
وجه الدلالة:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر المرتهن بذهاب حقه [5] .
(1) الأم للإمام الشافعي: (ص137 - 165) ، نيل الأوطار: (5/ 275) .
(2) يعلق الإمام الشافعي على هذا الحديث بقوله: وهذا أفصح ما قاله العرب- الشيء من فلان- أي: من ضمانه، وإذا لم يخص الله نوعًا من الرهن دون آخر فلا يكون منه ما هو مضمون ومنه ما ليس كذلك. الأم للإمام الشافعي: (3/ 137) .
وانظر المحلى لابن حزم: (8/ 89) .
(3) المهذب: (1/ 316) ، مغني المحتاج: (2/ 136) .
(4) رواه أبو داود في مراسيله وابن أبي شيبه في مصنفه وهو مرسل ضعيف. نصب الراية: (4/ 321) .
(5) الدر المختار: (5/ 342) ، اللباب: (2/ 55) ، تبيين الحقائق: (6/ 36) .
ولما كان الحق يحتمل واحدًا من ثلاثة معان فلا يكون الحديث دليلا على الدعوى إلا إذا أريد واحد منها، وقد ذكر صاحب العناية الاحتمالات الثلاثة فقال: «لا يقال: ذهب حقك في الإمساك أو من المطالبة برهن آخر؛ لأن الأول - أي: الإمساك- مشاهد أي: أن ذهابه مشاهد، فلا فائدة في الإخبار عنه، والثاني - أي: المطالبة برهن آخر- ليس من حقه، فيبقى المعنى الثالث وهو حقه في الدين، ويكون هو المراد في الحديث. العناية على الهداية بهامش تكملة فتح القدير: (10/ 141) .