وهذا يدل بوضوح على أن المرتهن لا يضمن الرهن إذا تلف في يد المرتهن دون تقصير أو تعد منه وهو معنى الأمانة، كما أنه صح القول عن عطاء والزهري - وهما من التابعين- القول بأن المرهون أمانة في يد المرتهن، ومع مخالفة هؤلاء على هذا النحو تكون دعوى الإجماع غير صحيحة [1] .
رابعا: استدلالهم بالقياس:
اعترض عليه بأنه قياس مع الفارق بين المقيس والمقيس عليه، فإن سقوط أرش الجناية بتلف العبد حدث؛ لأنه تعلق بجهة واحدة وهي رقبة العبد.
فإذا ذهب العبد ذهب بناء عليه ما تعلق برقبته بخلاف الدين فإنه قد تعلق بذمة الراهن وعين المرهون، فإذا تلف المرهون فقد أحد المحلين وبقي تعلقه بالمحل الآخر كالدين المضمون فإنه إذا تلف الضامن فلا يسقط الدين؛ لبقاء المحل الآخر وهو المضمون عليه.
مناقشة أدلة أصحاب القول الثالث الذين يفرقون بين ما يغاب عليه وبين ما لا يغاب عليه.
أولا: إن التعليل الأول مبناه على ظن التهمة فيما يغاب عليه دون ما لا يغاب عليه.
ولكن كما يقول ابن حزم: التهمة موجودة في كل شيء متوجهة إلى كل إنسان [2] .
ثانيا: إن عمل أهل المدينة يكون حجة إذا دل على سنة متبعة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك مثل نقلهم الصاع والمد والمزارعة والمساقاة.
أما العمل الذي طريقه الإجهاد والاستدلال كما هو الحال في ضمان المرهون فلا يكون حجة [3] .
الرأي الراجح:
تبين من خلال عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم ومناقشتها رجحان القول الأول الذي يقضي بأن المرهون أمانة في يد المرتهن إن تلف بدون تقصير أو تعد أو كان تلفه من صاحبه ويبقى الدين كما هو لما يلي:
أولا: لقوة أدلتهم في مقابلة أدلة أصحاب الأقوال الأخرى.
ثانيا: لردهم على مناقشات واعتراضات أصحاب الأقوال الأخرى التي لم تسلم أدلتهم من الاعتراض.
ثالثا: لأنه يتفق مع روح التشريع الإسلامي في حفظ الحقوق لأصحابها.
(1) المحلى لابن حزم الظاهري: (8/ 98) .
(2) المحلى لابن حزم الظاهري: (10/ 141) .
(3) أعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم: (2/ 304) .