الجواب عن ذلك بأن حمل قوله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك يجعل جملة: (الرهن من صاحبه) لا تفيد معنى جديدا، بل تكون تكرارا لما سبق أن استفيد من قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا يغلق الرهن» لأنه يقال: غلق الرهن إذا خرج عن ملك صاحبه واستولى عليه المرتهن بسبب عجز الراهن عن أداء الدين، فإذا استفيد هذا المعنى من الجملة الأولى كان استفادته من العبارة الثانية تكرارا يبعد بالكلام عن البلاغة، هذا في كلام عامة الفصحاء فما بالنا بأفصح الناس جميعا، وحتى لا توصف عبارته - صلى الله عليه وسلم - بذلك ينبغي حملها على إفادة معنى جديد وهو: الضمان لا الملك.
رابعا: اعتراض أيضًا على المعقول بأنه:
لا يقبل، للفرق بين هلاك المرهون وهلاك الصك أو الشاهد؛ لأنه إذا هلك المرهون تحقق نوع استيفاء بخلاف هلاك الصك أو الشاهد فإنه لا يتحقق به أي نوع من أنواع الاستيفاء؛ لأن الاستيفاء مختص بالمال.
دفع الاعتراض:
أجيب بأنه اعتراض مبني على وجهة نظركم التي تقول أن موجب الرهن هو: ثبوت يد الاستيفاء، ونحن لا نسلم لكم بذلك؛ لأنه أساس النزاع بين وجهتي النظر المختلفين، فنحن نقول: إن موجب الرهن ثبوت الاستيثاق الذي هو طريق إلى الاستيفاء عندما يعجز الراهن عن الوفاء بدليل أن الراهن لو سلم الدين المرهون به قبل الأجل أو حتى عنده زال التوثق وأصبح من حق الراهن تسلم العين المرهونة.
مناقشة أدلة أصحاب القول الثاني (القائلون بالضمان) :
أولا: نوقش الحديث الأول الذي استدلوا به بما يلي:
1 -من ناحية سنده: فقد ضعفه علماء الحديث، فقد قال عنه عبد الحق: أنه مرسل، وقال عنه ابن القطان: إن من رواته ثابت بن عبد الله بن الزبير وهو ضعيف؛ لكثرة غلطه وإن كان صدوقا.
2 -من ناحية معناه: لأن أحد الحقين من كلام الرواي والآخر من النص، وهذا لا تنطبق عليه القاعدة المذكورة [1] .
ثانيا: الحديث الثاني اعترض على الاستدلال بأن طرقه التي روي بها لم تسلم من نقد أبعدها عن صلاحية الاحتجاج بها [2] .
ثالثا: أما استدلالهم بالإجماع فقد رد على هذه الدعوى ابن حزم بأن ما روي عن ابن عمر ليس مشهور عنه، والرواية عن ابن مسعود من الغريب، كما ذكر عن البيهقي، وقد صح الرهن عن علي - كرم الله وجهه - أن المرهون أمانة بيد المرتهن حيث قال في الرهن:"تترادان الفضل فإن أصابته جائحة برئ".
ومعنى هذا: أن عليا - كرم الله وجهه - لم ير تراد الفضل إلا فيما تلف بجناية المرتهن.
أما إن هلك بجائحة فإنه يرى براءة المرتهن منه.
(1) العناية على الهداية بهامش تكملة فتح القدير: (10/ 141) ، الأم: (3/ 162) .
(2) نصب الراية لأحاديث الهداية: (3/ 321، 322) ، المغني: (4/ 297) .