أولا: إن ما يغاب عليه يكثر فيه ادعاء الضياع على وجه لا يعلم منه صدق مدعيه لسهولة إخفائه بخلاف من لا يغاب عليه؛ لأن هلاكه وتلفه من شأنه أن يكون معروفا ظاهرا للناس.
ومعنى هذا: أنهم استحسنوا تضمين المرتهن عند وجود التهمة وهي: عندما يكون الرهن مما يغاب عليه (أي: يمكن إخفاؤه وكتمه) [1] .
ثانيا: إن عمل أهل المدينة يدل على أنهم توارثوا الضمان فيما يغاب عليه دون ما لا يغاب عليه.
المناقشة:
مناقشة أدلة أصحاب القول الأول بأن الرهن أمانة مطلقا [2] .
أولا: إن الحديث الذي استدلوا به قد اختلف في وصله وإرساله ووقفه ورفعه.
قال ابن عبد البر: هذه اللفظة: «له غنمه وعليه غرمه» اختلف الرواة في رفعها ووقفها، فرفعها ابن أبي ذئيب ومعمر وغيرهما مع كونهم أرسلوا الحديث على اختلاف على ابن ذئيب، ووقفها غيرهم.
وأجيب عن ذلك بأن هذا الحديث رواه ابن وهب فجرده، ورواه ابن حزام من طريق قاسم بن أصبع قال: حدثني ... عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمه بن عبد الرحمن عن أبي هريرة - رضي الله عنه: «لا يغلق الرهن عن راهنه، له غنمه وعليه غرمه» .
قال ابن حزم: هذا سند حسن.
ثانيا: قوله - صلى الله عليه وسلم: «له غنمه وعليه غرمه» ، ليس من كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإنما هو من كلام سيعد بن المسيب نقله عنه الزهري، والحجة إنما هي في قوله - صلى الله عليه وسلم - لا في قول أحد غيره.
الجواب عن ذلك بأنه على فرض التسليم بأن هذه الفقرة من كلام ابن المسيب وليست من صلب الحديث فإن المستدل لا يضره ذلك؛ لأنه يكفيه لإثبات دعواه -الفقرة الأولى وحدها- وهي: قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا يغلق الرهن من صاحبه» لأن معناها: أن الرهن من ضمانه؛ لأنه ملكه .. قيد المرتهن عليه يد أمانة.
ثالثا: قولكم: أن معنى قوله - صلى الله عليه وسلم: «الرهن من صاحبه» أن المرهون من ضمانه ممنوع وغير مسلم، بل معناه أنه من ماله وليس من مال المرتهن؛ لأن الحديث قد أريد به إبطال حالة خاصة كانت سائدة في الجاهلية وهي: أن المرتهن كان إذا عجز الراهن عن الوفاء بالدين في الأجل المضروب يتملك العين المرهونة، فبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - «أن المرتهن لا يملك المرهون حتى ولو عجز الراهن عن الوفاء، بل هو باق على ملك صاحبه» .
فالحديث على هذا في غير محل النزاع [3] .
(1) هذا إذا كان المرهون بيد المرتهن لا بيد أمين عدل ولم تقم بينة (شهادة اثنين) أو شاهد مع يمين على احتراقه أو سرقته أو تلفه بلا تعد ولا إهمال.
أما إذا كان الرهن مما لا يغاب عليه أو كان الرهن بيد أمين أو قامت بينة على تلفه بلا تعد ولا إهمال من المرتهن فلا يضمنه المرتهن عند هلاكه.
(2) سبل السلام شرح بلوغ المرام للصنعاني: (3/ 52) ، نيل الأوطار للشوكاني: (5/ 566، 666) ، المغني: (4/ 396) ، إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم: (4/ 35) ، المحلى لابن حزم: (8/ 98) .
(3) العناية على الهداية بهامش تكملة فتح القدير: (10/ 141) .