الأول: أن الله تعالى أخبر بكون الرهن مقبوضا وإخباره سبحانه وتعالى لا يحتمل الخلل، فاقتضي أن يكون المرهون مقبوضا ما دام مرهونا.
والثاني: أن الرهن في اللغة عبارة عن الحبس، قال تعالى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} أي: حبيس.
فاقتضي أن يكون المرهون محبوسا ما دام مرهونا ولو لم يثبت ملك الحبس لم يكن محبوسا على الدوام فلم يكن مرهونا.
والثالث: أن الله تعالى لما سمى العين التي ورد عليها العقد رهنا دل على أن للأسماء الشرعية دلالات على أحكامها.
وأما السنة:
فقوله - صلى الله عليه وسلم: «لا يغلق الرهن من صاحبه» .
وجه الدلالة:
أن قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يغلق» : لا يملك بالدين.
كذا قال أهل اللغة غلق الرهن أي: ملك بالدين، وهذا كان حكما جاهليا فرده الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وأما المعقول [1] :
فإن الرهن شرع وثيقة بالدين فيلزم أن يكون حكمه ما يقع به التوثيق للدين، وإنما يحصل التوثيق إذا كان يملك صاحبه حبسه على الدوام؛ لأنه يمنعه عن الانتفاع فيحمله ذلك على قضاء الدين في أسرع الأوقات.
وبهذا يتبين أن للمرتهن حق امتياز الرهن.
وحق الامتياز معناه: أن يكون المرتهن أولى وأحق بثمن المرهون من سائر الغرماء حتى يستوفي حقه حيا كان أو ميتا.
وعلى هذا: إذا ضاق مال الراهن عن وفاء ديونه وطالبه الغرماء بديونهم وأريد قسمة ماله بين غرمائه فأول من يقدم هو المرتهن؛ لاستيفاء حقه من ثمن المرهون.
ولا يحق الاعتراض لباقي الغرماء ولهم أخذ ما فضل من الثمن؛ لأن حق المرتهن متعلق بعين الرهن وذمة الراهن معا، وأما سائر الغرماء فيتعلق حقهم بالذمة فقط، فكان حق المرتهن أقوى. والله تعالى أعلى وأعلم.
(1) بدائع الصنائع: (6/ 153) ، القوانين الفقهية: (ص324) ، مغني المحتاج: (2/ 134) ، المغني: (4/ 404) وما بعدها.