الصفحة 100 من 244

وقال ابن الجوزي ×: =ما اعتمد أحدٌ أمرًا إذا هم بشيء مثل التثبت؛ فإنه متى عمل بواقعة من غير تأمل للعواقب كان الغالب عليه الندم؛ ولهذا أُمِر بالمشاورة؛ لأن الإنسان بالتثبت يفتكر؛ فتعرِض على نفسه الأحوال، وكأنه شاور.

وقد قيل: خمير الرأي خير من فطيره.

وأشد الناس تفريطًا من عمل بما ورده في واقعة من غير تثبت واستشارة؛ خصوصًا فيما يوجب الغضب؛ فإنه طلب الهلاك أو الندم العظيم+ (1) .

وقال ×: =فالله الله! التثبت التثبت في كل الأمور، والنظر في عواقبها؛ خصوصًا الغضب المثير للخصومة+ (2) .

وقال ابن القيم ×: =وقد جاء في حديث مرسل: =إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات+.

فبكمال العقل والصبر تُدفع فتنة الشهوة، وبكمال البصيرة واليقين تدفع فتنة الشبهة، والله المستعان+ (3) .

ثم إن التثبت والتأني، والنظر في العواقب من سمات أهل العلم والعقل، ولا يستغني عنها أحد مهما كان، ولا يكفي مجرد علم الإنسان، بل لا بد له _ مع العلم _ من هذه الأمور.

وإليك هذه الكلمة الحكيمة الرائعة التي رقمتها يراعة العلامة الشيخ محمود شاكر والتي تعبر عن كثير مما مضى ذكره، قال ×: =رُبَّ رجلٍ واسعِ العلم، بحرٍ لا يزاحم، وهو على ذلك قصير العقل مضلَّل الغاية، وإنما يَعْرِض له ذلك من قبل جرأته على ما ليس له فيه خبرة، ثم تهوره من غير روية ولا تدبر، ثم إصراره إصرار الكبرياء التي تأبى أن تعقل.

وإن أحدنا لَيقْدِم على ما يحسن، وعلى الذي يعلم أنه به مضطلع، ثم يرى بعد التدبر أنه أسقط من حسابه أشياء، كان العقل يوجب عليه فيها أن يتثبت، فإذا هو يعود إلى ما أقدم عليه؛ فينقضه نقض الغزل.

(1) _ صيد الخاطر ص605.

(2) _ صيد الخاطر 625.

(3) _ إغاثة اللهفان ص537.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت