الصفحة 99 من 244

سادس عشر: التروي في إبداء الرأي، والتأني في اتخاذ الموقف، وألا يقول كل ما يعلم: فاللائق بالعاقل أن ينظر في العواقب، وأن يراعي المصالح؛ فلا يحسن به أن يبدي رأيه في كل صغيرة وكبيرة، ولا يلزمه أن يتكلم بكل نازلة؛ لأنه ربما لم يتصور الأمر كما ينبغي، وربما أخطأ التقدير، وجانب الصواب، بل ليس من الحكمة أن يبدي الإنسان رأيه في كل ما يعلم حتى ولو كان متأنيًا في حكمه، مصيبًا في رأيه؛ فما كل رأي يُجهر به، ولا كل ما يعلم يقال، ولا كل ما يصلح للقول يصلح أن يقال عند كل أحد، أو في كل مكان أو مناسبة.

بل الحكمة تقتضي أن يحتفظ الإنسان بآرائه إلا إذا استدعى المقام ذلك، واقتضته الحكمة والمصلحة، وكان المكان ملائمًا، والمخاطبون يعقلون ما يقال.

وإذا رأى أن يبدي ما عنده فليكن بتعقل، وروية، ورصانة، وركانة، وزكانة.

وزِن الكلام إذا نطقت فإنما ... يبدي العقولَ أو العيوبَ المنطقُ

قال أحد الحكماء: =إن لابتداء الكلام فتنةً تروق وجدَّةً تعجب؛ فإذا سكنت القريحة، وعدل التأمل، وصفت النفس _ فليعدِ النظر،وليكن فرحُه بإحسانه مساويًا لغمِّه بإساءته+ (1) .

وقال ابن حبان ×: =الرافق لا يكاد يُسْبَق كما أن العَجِل لا يكاد يَلْحَق، وكما أن من سكت لا يكاد يندم كذلك من نطق لا يكاد يسلم.

والعَجِل يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويَحْمد قبل أن يُجَرِّب، ويَذُم بعد ما يحمد، ويعزم قبل أن يفكر، ويمضي قبل أن يعزم.

والعَجِل تصحبه الندامة، وتعتزله السلامة، وكانت العرب تُكَنِّي العجلةَ أمَّ الندامات+ (2) .

وذكر بسنده عن عمر بن حبيب قال: =كان يقال: لا يوجد العجول محمودًا، ولا الغضوب مسرورًا، ولا الحر حريصًا، ولا الكريم حسودًا، ولا الشَّرِه غنيًا، ولا الملول ذا إخوان+ (3) .

(1) _ زهر الأدب للحصري القيرواني 1/154.

(2) _ روضة العقلاء ص216.

(3) _ روضة العقلاء ص 217.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت