وسبب هذه الرحمة: أن هذا ذنب يقع من الأشراف، والأوساط، والأرذال، وفي النفوس أقوى الدواعي إليه، والمشارك فيه كثير، وأكثر أسبابه العشق، والقلوب مجبولة على رحمة العاشق، وكثير من الناس يعد مساعدته طاعة وقربة، وإن كانت الصورة المعشوقة محرمةً عليه، ولا يُستنكر هذا الأمر؛ فإنه مستقر عند من شاء الله من أشباه الأنعام.
ولقد حكي لنا من ذلك شيء كثير عن ناقصي العقول كالخدم والنساء.
وأيضًا فإن هذا ذنب غالبًا ما يقع مع التراضي من الجانبين؛ ولا يقع فيه من العدوان والظلم والاغتصاب ما تنفر النفوس منه، وفيها شهوة غالبة له، فيصور ذلك لها، فتقوم بها رحمة تمنع من إقامة الحد، وهذا كله من ضعف الإيمان.
وكمال الإيمان: أن تقوم به قوة يقيم بها أمر الله، ورحمةٌ يرحم بها المحدود؛ فيكون موافقًا لربِّه _ تعالى _ في أمره ورحمته.
الثالث: أنه _ سبحانه _ أمر أن يكون حدهما بمشهد من المؤمنين، فلا يكون في خلوة بحيث لا يراهما أحدٌ، وذلك أبلغ في مصلحة الحد، وحكمة الزجر+ا. هـ.
ومما يحسن التنبيه عليه في هذا الشأن: أن فاحشة الزنا تتفاوت بحسب مفاسدها؛ فالزاني والزانية مع كل أحد أشد من الزنا بواحدة أو مع واحد، والمجاهر بما يرتكب أشد من الكاتم له، والزنا بذات الزوج أشد من الزنا بالتي لا زوج لها؛ لِمَا فيه من الظلم، والعدوان عليه، وإفساد فراشه، وقد يكون هذا أشد من مجرد الزنا أو دونه.
والزنا بحليلة الجار أعظم من الزنا ببعيدة الدار؛ لما يقترن بذلك من أذى الجار، وعدم حفظ وصية الله ورسوله"."
وكذلك الزنا بامرأة الغازي في سبيل الله أعظم إثمًا عند الله من الزنا بغيرها، ولهذا يقال للغازي خذ من حسنات الزاني ما شئت.
وكذلك الزنا بذوات المحارم أعظم جرمًا، وأشنع، وأفظع؛ فهو الهلاك بعينه.
وكما تختلف درجات الزنا بحسب المزني بها، فكذلك تتفاوت درجاته بحسب الزمان والمكان، والأحوال؛ فالزنا في رمضان ليلًا أو نهارًا أعظم إثمًا منه في غيره.