الصفحة 176 من 244

وهكذا الأذكارُ المقيدةُ بمحالَّ مخصوصة أفضلُ من القراءة المطلقة، والقراءةُ المطلقةُ أفضلُ من الأذكار المطلقة، اللهم إلا أن يعرض للعبد ما يجعل الذكر، والدعاء أنفع له من قراءة القرآن.

مثاله: أن يتفكر في ذنوبه؛ فيحدث ذلك له توبة من استغفار، أو يعرض له ما يخاف أذاه من شياطين الإنس والجن؛ فَيَعْدِلَ إلى الأذكار والدعوات التي تُحَصِّنه وتحفظه.

وكذلك _ أيضًا _ قد يعرض للعبد حاجة ضرورية إذا اشتغل عن سؤالها، أو ذكرٌ لم يحضر قلبه فيه، وإذا أقبل على سؤالها، والدعاء إليها اجتمع قلبه كله على الله _ تعالى _ وأحدث له تضرعًا، وخشوعًا، وابتهالًا؛ فهذا يكون اشتغاله بالدعاء _ والحالة هذه أنفع _ وإن كان كلٌّ من القراءة والذكر أفضلَ وأعظمَ أجرًا.

وهذا باب نافع يحتاج إلى فِقْهِ نَفْسٍ، وفرقانٍ بين فضيلة الشيء في نفسه، وبين فضيلته العارضة؛ فيعطى كل ذي حقٍّ حقَّه، ويوضع كل شيء موضعه؛ فللْعين موضع، وللرِّجْل موضع، وللماء موضع، وللَّحم موضع.

وحفظ المراتب هو من تمام الحكمة التي هي نظام الأمر والنهي، والله _ تعالى _ الموفق+ا. هـ

إلى أن قال ×: =وقلت لشيخ الإسلام ابن تيمية × يومًا: سئل بعض أهل العلم: أيما أنفع للعبد: التسبيح أو الاستغفار؟ فقال: إذا كان الثوب نقيًَّا فالبخور، وماء الورد أنفع، وإن كان دَنِسًا فالصابون والماء الحارُّ أنفع له؛ فقال لي ×: فكيف والثياب لا تزال دَنِسة؟

ومن هذا الباب أن سورة [قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) ] (الإخلاص) تعدل ثلث القرآن، ومع هذا فلا تقوم مقام آيات المواريث، والطلاق، والخلع، والعُدَد، ونحوها، بل هذه الآيات في وقتها عند الحاجة أنفع من تلاوة سورة الإخلاص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت