الصفحة 177 من 244

ولما كانت الصلاة مشتملة على القراءة والذكر والدعاء وهي جامعة لأجزاء العبودية على أتم الوجوه _ كانت أفضل من كلٍّ من القراءة والذكر والدعاء بمفرده؛ لجمعها ذلك كلَّه مع عبودية سائر الأعضاء؛ فهذا أصل نافع جدًا يفتح للعبد باب معرفة مراتب الأعمال، وتنزيلها منازلها؛ لئلا يشتغل بمفضولها عن فاضلها؛ فيربح إبليس الفضل الذي بينهما، أو ينظر إلى فاضلها، فيشتغل به عن مفضولها إن كان ذلك وقته؛ فتفوته مصلحته بالكلية؛ لظنه أن اشتغاله بالفاضل أكثر ثوابًا، وأعظم أجرًا.

وهذا يحتاج إلى معرفة بمراتب الأعمال، وتفاوتها، ومقاصدها، وفقهٍ في إعطاء كل عمل منها حقَّه، وتنزيله في مرتبته، وتفويته لما هو أهم منه، أو تفويت ما هو أولى منه، وأفضل؛ لإمكان تداركه، والعود إليه.

وهذا المفضول لا يمكن تداركه؛ فالاشتغال به أولى، وهذا كترك القراءة لرد السلام، وتشميت العاطس _ وإن كان القرآن أفضل _ لأنه يمكنه الاشتغال بهذا المفضول، والعود إلى الفاضل، بخلاف ما إذا اشتغل بالقراءة فاتته مصلحةُ ردِّ السلام، وتشميت العاطس، وهكذا سائر الأعمال إذا تزاحمت، والله _ تعالى _ الموفق+ ا. هـ

وهذه الفقرة جماع لما مضى من الفقرات الماضية.

ومن أحسن من فصَّل في هذه المسألة الإمام ابن القيم × في كتابه (مدارج السالكين) ، وذلك لما تكلم على أفضل العبادة وأنفعها؛ فأتى بكلام عظيم نفيس.

قال ×: =ثم أهل مقام إياك نعبد لهم في أفضل العبادة وأنفعها، وأحقها بالإيثار والتخصيص أربع طرق؛ فهم في ذلك أربعة أصناف+.

ثم شرع في ذكر تلك الأصناف فقال: =الصنف الأول: عندهم أنفع العبادات، وأفضلها أشقها على النفوس، وأصعبها.

قالوا: لأنه أبعد الأشياء عن هواها، وهو حقيقة التعبد+.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت