الصفحة 19 من 244

والحلم لا يعارض الأخذ بالحزم شَأْنُه شأن الفضائل؛ حيث يأخذ بعضها ببعض، وتتلاقى؛ لتتعاون على البر والتقوى؛ فإذا كان الحلم سكونَ النفس وعدمَ تهيُّجها للمكروه الذي يكفي في دفعه الصفح عنه _ فإن من الحزم الغضبَ للأذى الذي يصدر عن لؤم، ويتمادى ولو مع الإغضاء عنه (1) .

قال المتنبي:

إذا قيل: رفقًا قل: فللحلم موضع ... وحلم الفتى في غير موضعه جهل

وقال النابغة الجعدي ÷:

ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادرُ تحمي صَفْوَه أن يكدرا

وقال الحسين بن عبد الصمد يمدح بعض الأمراء:

عجبوا لحلمك أن تحوَّل سطوةً ... وزُلالِ خُلْقِكَ كيف عاد مكدرا

لا تعجبوا من رِقَّةٍ وقساوة ... فالنار تُقْدَحُ من قضيب أخضرا

هل الحلم يشتبه بالذلة؟

والحلمُ لا يشتبه بالذلة في حال؛ فإن الذلة احتمال الأذى على وجه يذهب بالكرامة.

أما الحلم فهو إغضاء الرجل عن المكروه حيث يزيده الإغضاء رفعة ومهابة.

ولا يظهر معنى الحلم إلا مع القدرة على دفع الأذى.

هل الحلم فطري أم اكتسابي؟

وكما أن الحلم فطريٌّ جِبِلِّيٌ يولد مع الإنسان فهو كذلك يأتي بالتحلم، والتَّخَلق، والتصبر، والدّربة، والمران، ومجالسة الحلماء، والنظر في سير أهل الحلم.

قال الأحنف بن قيس ×: =كنا نختلف إلى قيس بن عاصم نتعلَّم منه الحلم كما نتعلم الفقه+.

والأخلاق كلها في حاجة إلى التعهد بالتربية والتهذيب، وأشدها إلى ذلك خلق الحلم.

من فضائل الحلم:

مكارم الأخلاق كلها خيرٌ، وكل مكرمة ترفع صاحبها في سماء السيادة والشرف درجات.

ومن أعظم تلك المكارم أثرًا في سعادة الأفراد والجماعات خلق الحلم.

فالحلم خلق الأنبياء، ودأب الفضلاء، وأدب النبلاء.

وفي الحلم سلامة العرض، وراحة الجسد، واجتلاب الحمد، وبالحلم يحفظ الرجل على نفسه عزتها؛ إذ يرفعها عن مجاراة الطائفة التي تلذ المهاترة والإقذاع.

(1) ـ انظر رسائل الإصلاح للعلامة الشيخ محمد الخضر حسين 1/ 185 ـ 189.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت