كان عروة بن الزبير إذا أسرع إليه أحدٌ بشتم، أو قولِ سوءٍ لم يُجِبْهُ، وقال: =إني أتركك رفعًا لنفسي+.
ولما ولي عمر بن عبد العزيز × خرج ليلة في السحر إلى المسجد ومعه حَرَسِيٌّ فمرَّا برجلٍ نائم في الطريق، فعثُر به عمر فقال الرجل: أمجنون أنت؟! قال عمر: لا، فَهَمَّ به الحرسيُّ، فقال عمر: مه؛ فإنه سألني: أمجنون أنت؟ فقلت: لا!.
وشتم رجلٌ الحسن، وأربى عليه فقال له الحسن: أما أنت فما أبقيت شيئًا، وما يعلم الله أكثر.
وشتم رجلٌ الأحنف بن قيس، وجعل يتبعه حتى بلغ حَيَّه، فقال له الأحنف: يا هذا إن كان بقي في نفسك شيء فهاته، وانصرف، لا يسمعك بعض سفهائنا؛ فتلقى ما تكره.
وكثيرًا ما يشكو الحكماء من قلة الحلم في الناس، قال أبو العتاهية:
عذيريَ في الإنسان ما إن جفوتُه ... صفا لي ولا إن صرت طوعَ يديه
وإني لمشتاقٌ إلى ظلِّ صاحب ... يَرِقُّ ويصفو إنْ كدرتُ عليه
ويروى أن المأمون لما سمع هذين البيتين قال: خذو مني الخلافة، وأعطوني هذا الصاحب.
ثم إن الحلم قد يقطع شرًا عظيمًا لو لم يقابل بالحلم لتمادى وعظم، قال أيوب: =حلم ساعة يدفع شرًا كبيرًا+.
وقال الأحنف: =رب غيظ تجرَّعْتُهُ مخافة ما هو أشر منه+.
بل قد يضع الحلمُ مكانَ الضغينة مودة؛ ذلك أن الفضيلة محبوبةٌ في نفسها، وتدعو إلى إجلال من يتمسك بها؛ فكثيرًا ما يكون الصفح عن المسيء دواءً لسوء خلقه، وتقويمًا لعوجه؛ فيعود الجفاء إلى ألفة، والمناواة إلى مسالمة.
أما التسرع في دفع السيئة بمثلها، أو أشدَّ دونما نظر إلى الأثر السيء _ فذلك دليل ضيق الصدر، والعجز عن كبح جماح الغضب، وإنما يتفاضل الناس على قدر تدبرهم للعواقب، وإسكاتهم الغضب إذا طغى: [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) ] (فصلت) .