ففي الحلم، والصفح، من الطمأنينة، والسكينة، والحلاوة، وشرف النفس، وعزِّها، وترفُّعِها عن تشفيها بالانتقام ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام.
قال الشافعي ×:
لما عفوت ولم أحقد على أحدٍ ... أرحت نفسي من ظلم العداواتِ
وقال الشيخ محمد الشنقيطي ×:
وإني لأكسو الخلَّ حلَّةَ سندس ... إذا ما كساني من ثياب حداده
ثم إنك ترى الناس في جانب الحليم متى كان خصمه أو مُنَاظِرُه ينحدر في جهالة، ولا يندى جبينه أن يقول سوءًا، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ÷: =حلمك على السفيه يكثر أنصارك عليه+.
ومن فضل الحلم أن رئاسة الناس صغيرةً كانت أم كبيرة لا ينتظم أمرُها إلا أن يكون الرئيس راسخًا في خلق الحلم، قال معاوية ÷ لعرابة الأوسي: بمَ سدت قومك حتى قال فيك الشماخ:
رأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ ... تلقَّاها عرابةُ باليمين
قال عرابة: غيري أولى مني بذلك يا أمير المؤمنين، قال معاوية: عزمت عليك لَتُخْبِرَنِّي، قال عرابة: يا أمير المؤمنين، كنت أحلم على جاهلهم، وأعطي سائلهم، وأسعى في قضاء حوائجهم.
وما ذلك إلا أن الناس يكرهون جافي الطبع، ولا يجتمعون حول مَنْ يأخذه الغضب لأدنى هفوة إلا أن يساقوا إليه سوقًا؛ فمن قلَّ نصيبُه من الحلم قلَّ أنصاره، وذهبت من قلوب الناس مودته، والرئيس بحق هو من يملك القلوب قبل أن يبسط سلطانه على الرقاب.
حلم سيد البشر:
لقد امتنّ ربنا _ جل وعلا _ على نبيه"بأن جبله على هذه السيرة الحميدة، وأن جنبه الغلظة، والفظاظة، فقال _ عز وجل _: [وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] (آل عمران:159) ."