فقد ذكروا في تفسير الفطرة أنها الجبلة السليمة، والطبع المتهيئ لقبول الدين.
بل إن الفطرة هي دين الإسلام، والإسلام هو دين الفطرة، ولهذا جاء في بقية الحديث: =فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه+.
قال ابن القيم ×: =وذكروا عن عكرمة، ومجاهد، والحسن، وإبراهيم، والضحاك، وقتادة في قوله _ عز وجل _: [فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا] (الروم:30) قالوا: [فِطْرَةَ اللَّهِ] : دين الإسلام+ (1) .
فإذا كانت السجايا ميسرةً للأعمال، ومساعدةً على صدورها بسهولة _ دخل في وظيفة الإصلاحِ الدعوةُ إلى نبذ الأخلاق السافلة، والتحلي بالأخلاق الفاضلة.
ثم إن الأخلاق، والطباع _ كما أنها غريزية فطرية جبلية _ فهي كذلك اكتسابية، تخلُّقية تتأتَّى بالدّربة، والمجاهدة، والممارسة، قال الله _ سبحانه وتعالى _: [إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] (الرعد:11) ، وقال: [قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى] (الأعلى:14) .
وقال النبي": =إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرَّ الخير يعطه، ومن يتوقَّ الشر يوقه+ (2) ."
فتغير الطباع والأخلاق وارد ممكن؛ فليس متعذرًا ولا مستحيلًا، خلافًا لمن يرى أنها ثابتة في الإنسان لا يمكن أن تتغير؛ بحجة أنها غرائز فطر عليها، وطباعٌ جُبِلَ على التحلي بها؛ فلا يمكنه تغييرها، ولا يتصور فكاكه عنها.
ولو كانت الأخلاق لا تتغير لبطلت الوصايا، والمواعظ، والتأديبات.
ثم إن في الأدلة التي مضى ذكرها دلالة على هذا الأمر.
(1) ـ شفاء العليل لابن القيم ص 572، وانظر تعارض العقل والنقل لابن تيمية 8/ 6.
(2) ـ أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه 9/ 127، وقال الألباني: إسناده حسن.