بل إن كثيرًا من الأدلة من الكتاب والسنة إنما تحثّ على الفضائل، وتنهى عن الرذائل، ولو كان ذلك غير ممكن لكان ذلك من التكليف بما لا يطاق، ولا يقول بهذا أحد، بل كيف ينكر هذا، وتغيير خلق الحيوان الأعجم وارد ممكن؟!
إذ إن البازيَّ يُنْقَلُ من الاستيحاش إلى الأنس، والكلب من شَرَه الأكل إلى التأدب والإمساك عن التخلية، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد، وكل ذلك تغيير في الأخلاق.
فإذا كان هذا هو الشأن مع الحيوان فأَجْدرْ بالإنسان الذي ميَّزه الله بالعقل، وكُلِّف من بين سائر المخلوقات _ أن يتغير خلقه، ويتبدل طبعه إلى حد الاعتدال، وذلك إذا أخذ بالأسباب، وقام برياضة نفسه، وحملها على المكارم.
وخير دليل على هذا ما كان من أمر الصحابة _ رضي الله عنهم _ قبل بعثة النبي"فلقد كانوا _ كسائر كثير من العرب _ يتصفون بالشدة، والقسوة، والغلظة، والفظاظة."
فلما دخلوا في الإسلام، وتأدبوا بآدابه، وخالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، رقّت طباعهم، ولانت عريكتهم.
بل إنهم أصبحوا مثالًا يحتذى، ونهجًا يقتفى في الإيثار، والسماحة، والكرم، والشجاعة، والحلم، ونحو ذلك من مكارم الأخلاق.
ثم إن الواقع يشهد على أن الأخلاق قابلة للتغيير، فأنت ترى وتقرأ وتسمع عن أناس ٍ سيئةٍ أخلاقُهم، دانيةٍ هممهم، خائرةٍ عزائمهم.
فإذا ما راض الواحد منهم نفسه وساسها، وتطلع إلى الفضائل، وسعى لها سعيها، وتخلى من الرذائل، وأنف أن يوصف بها _ حسنت أخلاقه وعلت همته، وَوَفُرَت كرامته، أما إذا جُبل المرء على مكارم الأخلاق، ثم سقاها بماء المكرمات ونمَّاها بالممارسة والمران _ فنور على نور، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (1) .
وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.
(1) _ انظر إحياء علوم الدين للغزالي 3/ 55_56، وجوامع الآداب في أخلاق الأنجاب للقاسمي ص 4، والدعوة إلى الإصلاح للشيخ محمد الخضر حسين تحقيق علي الرضا ص 9 و 48، و 88_89، و 192_193.