تعج الكتب الجامعية في معظم الجامعات العربية بالنظريات الإدارية الغربية، وبخاصة الأمريكية [1] يُجبر الطلبة على دراستها وحفظها وإجراء امتحانات فيها، لا لشيء إلا للنجاح في الامتحان. هذا الأسلوب يخلق بونًا شاسعأً بين ما يتعلمه طالب الإدارة من مبادئ ونظريات إدارية، ما يشاهده ويعيشه في الواقع العملي، ومما يخلق لديه غربة داخلية، يدفع المجتمع ثمنها من تقدمه ونموه غالبًا. على سبيل المثال نظرية تايلور في الإدارة العلمية ونظرية فايول في وظائف الإدارة، لا تزال تأخذ مساحة واسعة في كتب مبادئ الإدارة، كما وضعتا قبل نحو 90 عامًا من الآن. فعلى الرغم من سلامة بعض من أجزائهما إلاّ أن الكثير من بنودهما قد نُقض أو جرى عليها تعديل أو تطوير. لا أحد ينسى الحملة الشعواء التي شنت عليهما من قبل المدارس اللاحقة.
الآن، أكاديميون وتطبيقيون، الكل يدعو إلى إدخال التكنولوجيا الحديثة، على أساس نظرية أن التكنولوجيا تسبب النجاح والنمو، وهذا استنتاج قد لا يكون صحيحًا بالمطلق. فقد كتب كريستنسن في عام 1997 كتابًا [2] يبرهن فيه على معضلة الاختراعات التي قد تقود أعظم الشركات إلى الإخفاق. فكيف يمكن الخروج من هذه المعضلة؟ نقول: إذا كان تعليم المبادئ والنظريات يوقظ فينا الحدس والحس بالمشكلات، وهذا هو أملنا، وهذا هو الهدف النهائي من تعلم وتعليم المبادئ النظريّة، فإن الإبداع هو الذي يقودنا الحل الناجعة, وليس تطبيقها بشكل ميكانيكي جاهل.
الأسئلة التي تواجه الفكر الإداري الآن، لم تعد كما كانت في النصف الأول من القرن العشرين أسئلة حول الإدارة التشغيلية والروتينية (فايول، و تايلو، و ويبر، ... ) ، أو كما كانت في النصف الثاني منه، أسئلة تعبوية تكتيكية (دروكر، كتلر، هيرزبيرغ، ... ) ، بل أصبحت إدارة إستراتيجية مستقبلية (بورتر، تشامبي وهامر، كيم وماوبرغن، ... ) ، إدارة إبداعية: إدارة تصنع المستقبل الآن. فالأسئلة الكبرى المطروحة الآن، هي:
لماذا تفشل منظمات وتنجح أخرى؟
لماذا تفشل المنظمات الناجحة؟
كيف يمكن إزاحة المنافسين؟
كيف يمكن تحقيق الازدهار والوصول إلى القمة؟
لماذا توجد صعوبة بالغة للبقاء في القمة؟
(1) * الكاتب على اطلاع مقبول على كتب الإدارة في خمس دول عربية، ودرس دراسة معمقة الكتب التي تُدرس في إحدى كليات الاقتصاد والإدارة في إحدى هذه الدول وتبين له بالدراسة الكمية والنوعية أن أكثر من 95% من مضامين هذه الكتب هي نظريات وأمثلة غربية صرفة، مضى على بعضها أكثر من ربع قرن، ومترجمة ترجمة حرفية مضمومًا وشكلًا، وأن بعضها مترجم بشكل ملتو ومشوش مثل نظر هيرزبيرغ في الدافعية.