ولا ريب أن هذه الفجوة قد جعلت الدول العربية تقع في تبعية غذائية واضحة للعالم الخارجي، لاسيما للدول المصدرة للغذاء، وجدير بالدول العربية أن تعي خطر هذا النمط من التبعية، لاسيما وأن آثار تلك التبعية لا تقتصر على الأعباء الاقتصادية فحسب، بل لها أبعاد أخرى، تهدد مستقبل الزمن القومي العربي، خاصة بعد أن تحولت الفجوة الغذائية من مشكلة اقتصادية في بدايتها إلى مشكلة سياسية في الوقت الراهن، حينما أصبح استيراد السلع الغذائية المطلوبة معرض أكثر من أي وقت مضى للضغوط السياسية [1] .
كما أنه تتجسد مخاطر الاعتماد علي الاستيراد من الخارج إذا ما علمنا أن ذلك الاستيراد يتألف من سلع غذائية رئيسية للمواطن العربي، لا يمكن الاستغناء عنها، كالقمح والأرز والسكر واللحوم ... الخ. وهنا تكمن المشكلة إذ أن الدول العربية كمستورد كبير لن تكون بمنأى عن الضغوط الخارجية من الدول المنتجة في حالة حجبها كميات كبيرة من تلك السلع عن السوق العالمية لأية هدف [2] ، لاسيما وأن واردات الدول العربية من الغذاء تشكل نسبة لا يستهان بها من الغذاء العالمي، إذ تبلغ تلك النسبة نحو 19% من إجمالي واردات العالم من القمح عام 1990، مقارنة بنسبة 1% مساهمتها في صادرات القمح العالمية [3] . وقد لا يبدو ذلك غريبًا طالما أن إنتاج الدول العربية في إنتاج القمح لا يغطي أكثر من 52% من إجمالي استهلاكها، جدول (4) ، بل أن تلك النسبة الجماعية تقل كثيرًا فيما لو نظرنا إلى الدول العربية فرادى، كما هو واضح في الجدول السابق، الذي منه تبين أن نصف الدول العربية، حققت مستويات
(1) المنظمة العربية للتنمية الزراعية، برامج الزمن الغذائي العربي، الجزء الأول، إستراتيجية الزمن الغذائي، الخرطوم، ط 2، 1986، ص 3.
(2) د. بديع جميل، ملامح من اقتصاديات الزراعة في الوطن العربي، معهد البحوث والدراسات العربية، بغداد، 1985، ص 62.
(3) جامعة الدول العربية، وجهات أخرى، التقرير الاقتصادي العربي الموحد، لعام 1992، ص 224، 230.