*** قال بن عاشور: وقدم المغفرة تطمينا لقلوبهم لأنهم يخشون المؤاخذة على ما فرط منهم من الكفر قبل الإسلام ومن اللمم ونحوه ثم أعقبت بالبشارة بالأجر العظيم فكان الكلام جاريا على قانون تقديم التخلية أو تقديم دفع الضر على جلب النفع والوصف بالكبير بمعنى العظيم نظير ما تقدم آنفا في قوله (ان أنتم إلا في ضلال كبير)
وتنكير (مغفرة) للتعظيم بقرينة مقارنته ب (أجر كبير) وبقرينة التقديم وتقديم المسند على المسند إليه في جملة (لهم مغفرة) ليأتي تنكير المبتدأ ولإفادة الاهتمام وللرعاية على الفاصلة وهي نكت كثيرة
*** الله سبحانه واسع المغفرة و هو أهل التقوى و أهل المغفرة و قد ورد ذكر لفظة المغفرة في القرآن سبعة عشر مره اقترنت فيها بذكر الجنة أربعة عشر مرة - وصفت فيها الجنة بأنها أجر كبير في ثلاث مواضع و بأنها أجر عظيم في أربع مواضع و بأنها زرق كريم في أربعة مواضع و بأنها تجرى من تحتها الأنهار في موطن و أن عرضها السماوات و الأرض في موطن و أن عرضها كعرض السماوات و الأرض في موطن - و اقترن ذكرها بأن الله شديد العقاب في موطن"إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم و إن ربك لشديد العقاب"و بأنه سبحانه ذو عقاب أليم في موطن و اقترن ذكرها بفضل الله في موطن الحث على الصدقة.
و لم يقدم علي المغفرة شيئا قط في أي آية بل دائما تذكر المغفرة أولا حتى قبل الجنة و ذلك في كل المواطن التي ذكرت فيها و النبي صلى الله عليه و سلم لما سألته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن دعاء ليلة القدر فقال صلى الله عليه و سلم:"قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"و هذه خير ليالي العام فدل ذلك أنه هذا خير ما يدعى به مطلقا فالدعاء بالمغفرة مُقدم على سؤال الجنة بل و مُقدم على كل دعاء و سؤال و أيضا لما ذكر أهل الإيمان بوصف الخشية بشرهم أولا بالمغفرة ثم الجنة.
و روى الحاكم في مستدركه عن سليم بن عامر قال: قال: سمعت أوسط البجلي على منبر حمص يقول: سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: قال: فاختنقته العبرة و بكى ثم قال:"سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم على هذا المنبر يقول عام أول: سلوا الله العفو و العافية و اليقين في الأولى و الآخرة فإنه ما أوتي العبد بعد اليقين خير من العافية".
قال: هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه و قد روي بغير هذا اللفظ من حديث ابن عباس. و سكت عنه الذهبي.
و لا يعنى هذا ألا يسأل العبد الجنة و الثواب و لكن ليقدم سؤال العافية و المغفرة على أي سؤال أعنى في المنزلة و الله أعلم.
*** وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: {لهم مغفرة وأجر كبير} قال: الجنة.
*** عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا أربعين سنة، شاخصة أبصارهم، ينتظرون فصل القضاء". قال:"وينزل الله عز وجل في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي، ثم ينادي مناد: أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم"