فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 262

قال الرازى: و جواب السؤال: كيف ينقلب البصر خاسئًا حسيرًا برجعه كرتين اثنتين؟ الجواب: التثنية للتكرار بكثرة كقولهم: لبيك وسعديك يريد إجابات متوالية.

قال بن عاشور: و (كرتين) تثنية كرة وهي المرة وعبر عنها هنا بالكرة مشتقة من الكر وهو العود لأنها عود إلى شيء بعد الانفصال عنه ككرة المقاتل يحمل على العدو بعد أن يفر فرارا مصنوعا. وإيثار لفظ كرتين في هذه الآية دون مرادفة نحو مرتين وتارتين لأن كلمة كرة لم يغلب إطلاقا على عدد الاثنين فكان إيثارها في مقام لا يراد فيه اثنين أظهر في أنها مستعملة في مطلق التكرير دون عدد اثنين أو زوج وهذا من خصائص الإعجاز ألا ترى أن مقام إرادة عدد الزوج كان مقتضيا تثنية مرة في قوله تعالى (الطلاق مرتان) لأن أظهر في إرادة العدد إذ لفظ مرة أكثر تداولا

وتثنية (كرتين) ليس المراد بها عدد الاثنين الذي هو ضعف الواحد إذ لا يتعلق غرض بخصوص هذا العدد وإنما التثنية مستعملة كناية عن مطلق التكرير فإن من استعمالات صيغة التثنية في الكلام أن يراد بها التكرير وذلك كما في قولهم"لبيك وسعديك يريدون تلبيات كثيرة وإسعادا كثيرا وقولهم: دواليك ومنه المثل"دهدرين سعد القين""الدهدر الباطل أي باطلا على باطل أي أتيت يا سعد القين دهدرين وهو تثنية دهدر الدال مهملة في أوله مضمومة فهاء ساكنة فدال مهملة مضمومة فراء مشددة". وأصله كلمة فارسية نقلها العرب وجعلوها بمعنى الباطل. وسبب النقل مختلف فيه وتثنيته مكنى بها عن مضاعفة الباطل وكانوا يقولون هذا المثل عند تكذيب الرجل صاحبه وأما سعد القين فهو اسم رجل كان قينا وكان يمر على الأحياء لصقل سيوفهم وإصلاح أسلحتهم فكان يشيع أنه راحل غدا ليسرع أهل الحي بجلب ما يحتاج للإصلاح فإذا أتوه بها أقام ولم يرحل فضرب به المثل في الكذب فكان هذا المثل جامعا لمثلين وقد ذكره الزمخشري في المستقصى والميداني في مجمع الأمثال وأطال"

وأصل استعمال التثنية في معنى التكرير أنهم اختصروا بالتثنية تعداد ذكر الاسم تعدادا مشيرا إلى التكثير

وقريب من هذا القبيل قولهم: وقع كذا غير مرة أي مرات عديدة

فمعنى (ارجع البصر كرتين) عاود التأمل في خلق السماوات وغيرها غير مرة.

2 -وقال ابن عطية وغيره: {كرتين} معناه مرتين ونصبها على المصدر.

3 -وقيل: أمر برجع البصر إلى السماء مرتين، غلط في الأولى، فيستدرك بالثانية.

4 -وقيل: الأولى ليرى حسنها واستواءها، والثانية ليبصر كواكبها في سيرها وانتهائها.

قلت: و سواء أريد بذكر الكرتين مرتين فهما مرتين عقب مرتين في الآية السابقة أو مرات عديدة فالمراد واحد و ظاهر و لله الحمد و المنة.

*** و الآية هنا تقرر أهمية نظر الاعتبار و التدبر للمؤمن فبه يعلم مقدار عظمة ربه و يؤثره و به و به تطهر القلوب و به مع العلم النافع تشفى من أمراض الشرك و الشك و الإنسان في حياتع اليومية يغفل كثيرا في طلب دنياه و قوته و منافعه و نحو ذلك لكن الوقوف مع النفس و الاعتبار يزيل تلك الغفلة و تلك الجفوة فهو نور لا بد له لمن أراد السلوك على الدرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت