فهرس الكتاب
مع ضعف بصيرته وقلة علمه بما بعث الله به لرسوله .. وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق، وهي فتنة المنافقين، وفتنة أهل البدع، على حسب مراتب بدعهم، فجميعهم إنما ابتدعوا من فتنة الشبهات التي اشتبه عليهم فيها الحق بالباطل، والهدى بالضلال».
إلى أن قال: «وأما النوع الثاني من الفتنة: ففتنة الشهوات. وقد جمع الله سبحانه بين ذكر الفتنتين في قوله: {كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} [التوبة: 69] ، أي تمتعوا بنصيبكم من الدنيا وشهواتها، والخلاق هو النصيب المقدر، فهذا الخوض بالباطل هو الشبهات.
فأشار سبحانه في هذه الآية إلى ما يحصلُ به فساد القلوب والأديان، من الاستمتاع بالخلاق، والخوض بالباطل، لأنَّ فساد الدين إمّا أَنْ يكون باعتقاد الباطل والتكلُّمِ به، أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح.
فالأول: هو البدعُ وما والاها، والثاني: فِسْقُ الأعمال.
فالأول: فسادٌ من جهة الشبهات، والثاني: من جهة الشهوات.
ولهذا كان السلف يقولون: «احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دُنيا أَعْمَتْهُ دُنياه» .
وكانوا يقولون: «احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإنّ فتنتهما فتنةٌ لكُلِّ مفتون» .... » [1] .
فظهور التلبيس من أهل العلم أعظم خطرًا على الدين، وأَشَدُّ ضررًا على المسلمين: «وكذلك كذبهم في العلم من أعظم الظلم. وكذلك
(1) «إغاثة اللهفان» (2/ 165 - 167) .