فهرس الكتاب
الدواء المركب، فراموا إصلاحه بأن بَدَّلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول؛ فعرض من ذلك للناس نوع من المرض غير النوع الأول. فجاء ثالث ... وجاء رابع ... فلمَّا طال الزمان بهذا الدواء المركب الأعظم، وسلط الناسُ التأويل على أدويته، وغيروها وبدَّلوها عرض منه للناس أمراض شتى، حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في حق أكثر الناس، وهذه حال الفِرَقِ الحادثة في هذه الشريعة مع الشريعة» [1] .
ففي تأويل المتأولين وزعمهم أنَّ ما تأولوه هو مراد الله - سبحانه وتعالى - ومراد رسوله - صلى الله عليه وسلم - استخفاف بالحق الذي قصده الله ورسوله، كما فعلت اليهود في قصة الرجل والمرأة اللذين زنيا منهم، فجاؤوا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فأخفوا آية الرجم من التوراة، وزعموا أنّ حكم الله هو الجلد والتحميم.
فحال هذه الفرق الكلامية، والمناهج العقلية، ومن تأثر بها من أهل هذه العصور، قد أظهروا للناس - المَدْعُوِّينَ - أنَّ هذا هو الحق، وهو مراد الله - تبارك وتعالى - ومراد رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفي المقابل أَخْفَوا الحق - بطريق التلبيس - الذي هو متمثل في منهج السلف وطريقهم في فهم الكتاب والسنة، وقالوا عنه: منهج حشوي أوْ مُتَحَجِّر، أو نَصِّيُّون حَرْفِيُّون. أو كما يزعم عَامَّةُ العلمانية في العصر الحاضر حيث يقول سلفهم الأول «أتاتورك» : «نحن لا نريد شرعًا فيه قال وقالوا: ولكن شرعًا فيه قلنا ونقول» [2] .
وهذا هو مرتكز دُعَاة العصرنة والعقلانية في العصر الحاضر قَدّموا عقولهم وأهوائهم على شريعة الله تبارك وتعالى، فأظهروا للناس نتاج تفكيرهم وعبقريتهم!! وجعلوه شرعًا يحكم أبشار الناس ودماءهُم
(1) «إعلام الموقعين» (4/ 250 - 253) .
(2) انظر: «العلمانية ... » (ص 571) .