فهرس الكتاب
ولم يكتف القوم بهذا الكيد داخل مكة، بل طاردوا الدعوة وصاحبها خارج الحرم عندما كان المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يأتي أسواق العرب ويدعوهم للإسلام وشهادة الحق، عن ربيعة بن عباد الديلمي [1] ، قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصر عيني بسوق ذي المجاز يقول: «أيها الناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» ، إلا أن وراءه رجلًا أحول، وضيء الوجه، ذا غديرتين، يقول: إنه صابئ، كاذب، فقلت: من هذا؟ قالوا: محمد بن عبد الله، وهو يذكر النبوة، قلت: من هذا الذي يكذبه؟ قالوا: عمه أبو لهب.
قلت - القائل هو الراوي عن ربيعة وهو أبو الزناد - «إنك كنت يومئذٍ صغيرًا؟ قال: لا والله إني يومئذٍ لأعقل» [2] .
ومن الأذى والصد التي كانت تصنعه قريش مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبث عشر سنين، يتبع الناس في منازلهم، في الموسم، ومجنة، وعكاظ، ومنازلهم من منى، من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالات ربي، فله الجنة، فلا يجد أحدًا ينصره ولا يؤويه، حتى إن الرجل ليرحل من مضر أو من اليمن، إلى ذوي رحمه، فيأتيه قومه، فيقولون له: احذر غلام قريش لا يفتنك، ويمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله - عز وجل - يشيرون إليه بالأصابع ... » [3] .
إن هذه الأحداث داخل مكة وخارجها، داخل كل قبيلة وخارجها،
(1) من بني الدبل بن بكر بن كنافة، مدني، كان جاهليًا فأسلم، توفي في خلافة الوليد. انظر: «الاستيعاب» (2/ 72) لابن عبد البر، و «الإصابة» (2/ 390 - 391) لابن حجر.
(2) رواه الإمام أحمد في «المسند» (3/ 598) ، والحاكم في «المستدرك» (1/ 61) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ورواته عن آخرهم ثقات أثبات، ووافقه الذهبي.
(3) أخرجه الحاكم في «المستدرك» ، كتاب التأريخ (2/ 681 - 682) وقال عنه: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي في «التلخيص» .