فهرس الكتاب
وقال الزهري رحمه الله: «ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضرَّ على أهله من الإرجاء» [1] . وهذا الذم من علماء السلف لم يكن المقصود منه الجهمية ومن تبعهم من الفرق الكلامية كالأشاعرة والماتريدية - وإن كانوا في الحقيقة يستحقونه وزيادة - بل مقصود السلف بهذا الذم مرجئة الفقهاء، «والقضية التي لا ينبغي أن تفوتنا هي أن كلمة المرجئة في اصطلاح هؤلاء العلماء إنما تعني هذا الإرجاء، أي إرجاء الفقهاء، وظلَّ هذا قائمًا حتى بعد ظهور الجهمية كما سنرى.
فكلُّ ذَمٍّ أو عيب قيل في المرجئة فهو منصرف لهم وحدهم حتى منتصف القرن الثاني تقريبًا، بل هو الأغلب إلى القرن الثالث» [2] .
(1) «الشريعة» (2/ 676 - 677) ، و «مجموع الفتاوى» (7/ 395) لابن تيمية.
(2) «الانحرافات العقدية والعلمية» (ص 115) ، وهذه القضية عليها دليلين:
أحدهما: أنَّ أئمة السلف الذين ذكروا ذم الإرجاء والمرجئة في عقائدهم قد نصوا على مرجئة الفقهاء بأسمائهم كـ ذر بن عبد الله الهمداني، مات قبل نهاية المائة الأولى. انظر: «السنّة» لعبد الله ابن الإمام أحمد، الآثار رقم (619، 673، 674، 696) ، و «الإنابة» لابن بطة، الأثر رقم (1240) ، و «أصول اعتقاد أهل السنّة والجماعة» للالكائي، الأثر رقم (1811) ، وطلق بن حبيب العنزي، مات بعد التسعين. انظر: «السنّة لعبد الله ابن الإمام أحمد، الآثار رقم (621، 659) ، و «الشريعة» للآجري، الأثر رقم (301) ، و «أصول اعتقاد أهل السنّة والجماعة» للالكائي، الأثر رقم (1800) .
الثاني: أنَّ هؤلاء الأئمة قد نَصُّوا على مذهب مرجئة الفقهاء في الإيمان وأنه قول خلافًا لرأي الجهمية فهو عندهم: المعرفة فقط، ومن ذلك ما رواه اللالكائي بسنده عن وكيع قال: «أهل السنّة يقولون: الإيمان قول وعمل، والمرجئة تقول: الإيمان قول بلا عمل، والجهمية يقولون: الإيمان المعرفة» . (5/ 1000) ، برقم (1837) .
وانظر أقوالًا أُخر في: «السنّة» لعبد الله ابن الإمام أحمد، برقم (745) ، و «الشريعة» للآجري، برقم (302، 304) ، و «الإبانة» لابن بطة، برقم (1264) . والله تعالى أعلم.