الذين وصفهم الجبرتي - في حال لا تحسد عليها أشار إليها الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بقوله: « ... وقد كثر الهرج وخاضت الأمة في الأموال والدماء واشتد الكرب، والبلاء وخفي الحق والهدى، وفشى الجهل والهوى، وكثر الخوض والردى، وغلب الطغيان والعمى، وقلَّ التمسك بالكتاب والسنة بَلْ قلَّ من يعرفهما ويدري حدود ما أنزل الله من الأحكام الشرعية كالإسلام والإيمان والكفر والشرك والنفاق ونحوها» [1] ، وهذا بسبب ضعف سلطان العلماء وأهل الاحتساب في القيام بأمر الله - تبارك وتعالى -.
هذا حال كثير من علماء تلك الفترة التي تحدث عنها الجبرتي وأشار إليها الشيخ عبد اللطيف، وما زالت تلك الحال، إن لم تكن قد ازدادت اتساعًا وعمقًا في حياة الأمة الإسلامية، ونسي هؤلاء وأولئك مهمة الرسل وأتباعهم من القيام بأمر الله؛ كما كان الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه قائمين بها لا يخافون لومة لائم يقضون بالحق في كُلِّ قضية ومع كُلِّ أحد، فكيف يستطيع من غرق في الأعطيات والمخصصات أن يقوم بدور العالم الرباني في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر احتسابًا لله - عز وجل - ورجاء ما عنده من الثواب حتى لو أدى ذلك إلى التضحية بالمال والنفس: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] .
وإذا كان هذا هو غالب أحوال العلماء في العصور المتأخرة، فهذا لا يعني أنه ليس هناك من هو قائم لله بالحجة، ففي هذه العصور من العلماء مِمَّن نذروا أنفسهم لله تعالى وقاموا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خير قيام على الصغير والكبير والحاكم والمحكوم، وصبروا منهم
(1) «الدرر السنية» (8/ 240) جمع العلامة عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله.