فهرس الكتاب
فكان جواب أهل الإيمان: أتباع موسى - عليه السلام - أمام هذا الوعيد من فرعون وملأه المستكبرين أن قالوا: {وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [الأعراف: 126] .
وكان موقف موسى - عليه السلام - أمام هذا التهديد، موقف الواثق بوعد ربه ونصره وتمكينه، واعظًا أتباعه مذكرًا لهم بالصبر على البلاء: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128] .
ومن صنوف الأذى والاستهزاء الذي وُوجه به موسى - عليه الصلاة والسلام - ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إنَّ موسى كان رجلًا حييًا ستِّيرًا لا يُرى من جلده شيءٌ استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب بجلده: إما برصٌ وإمَّا أدْرَةٌ [1] ، وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرِّئهُ مما قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على
(1) قال ابن حجر: «قوله: (آدر) بالمد وفتح الدال المهملة، وتخفيف الراء، قال الجوهري: الأدرة نفخة في الخصية» ، وقال النووي: «آدر: بهمزة ممدودة، ثم دال مهملة مفتوحًا ثم راء، وهو عظيم الخصيتين» . «فتح الباري» (1/ 460) ، و «شرح صحيح مسلم» (15/ 135) . وانظر: «إغاثة اللهفان» (2/ 341 - 342) لابن القيم، و «المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث» (1/ 44 - 45) للأصفهاني، و «النهاية» (1/ 31) لابن الأثير.
وفيه من الفوائد: «أن الأنبياء في خَلْقِهم وخُلُقِهم على غاية الكمال، وأنَّ من نسب نبيًا من الأنبياء إلى نقص في خلقته فقد آذاه، ويخشى على فاعله الكفر، ولا التفات إلى ما يذكر أهل التواريخ من إضافة بعض العيوب والعاهات إلى بعض الأنبياء، ومنها: ما كان في الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - من الصبر على الجهال واحتمال أذاهم، وجعل الله تعالى العاقبة لهم على من آذاهم» . انظر: «فتح الباري» (6/ 505) ، و «شرح صحيح مسلم» (15/ 136 - 137) .