فهرس الكتاب
يقول: ما يتخذونك إلا سخرية يسخرون منك، يقولون: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ} إلينا {رَسُولًا} من بين خلقه» [1] .
فهذه المقولة الفاجرة لم تصدر من كفار قريش عمومًا، أو من أبي جهل على القول بأنها نزلت فيه على الخصوص [2] لم تَكُنْ عن قناعة واعتقاد منهم بأنه يستحق هذا التحقير والازدراء الذي وصفوه به - عليه الصلاة والسلام - وهو الملقب فيهم بالأمين [3] ، ولكن العناد والمكابرة، وشدة التكذيب، والصدَّ عن سبيل الله جعلت من كبرائهم - وهو الملأ - يصفونه بذلك على وجه السخرية والاستهزاء: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} ، «فإخراجهم الكلام في معرض التسليم والإقرار - وهم في غاية الجحود - بالغ الذروة من الاستهزاء، فصار المراد عندهم أن هذا الذي ادعاه من الرسالة مما لا يجوز أن يُعتقد» [4] .
(1) «جامع البيان» (9/ 392) للطبري. وانظر: «المحرر الوجيز» (4/ 211) لابن عطية، و «تفسير القرآن العظيم» (3/ 511) لابن كثير، و «محاسن التأويل» (5/ 343 - 344) للقاسمي.
(2) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» (13/ 25) .
(3) قال ابن القيم رحمه الله: « ... فقد حاربه أهل الأرض بأنواع المحاربات مشركوهم وأهل الكتاب منهم، وليس أحد منهم يومًا من الدهر طعن فيه بكذبة واحدة صغيرة ولا كبيرة، قال المسور بن مخرمة: قلت لأبي جهل - وكان خالي: يا خال هل كنتم تتهمون محمدًا بالكذب قبل أن يقول مقالته؟ فقال: والله يا ابن أختي لقد كان محمد وهو شاب يدعى فينا الأمين، فلما وخطه الشيب لم يكن ليكذب، قلت: يا خال فلِمَ لا تتبعونه؟ فقال: يا ابن أختي، تنازعنا نحن وبنو هاشم الشَّرف؛ فأطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقينا، وأجاروا وأجرنا، فلما تجاثينا على الرُّكب وكنّا كفرسي رهان، قالوا: منَّا نبي، فمتى نأتيهم بهذه، أو كما قال» . «جلاء الأفهام» (ص 134) .
(4) «نظم الدرر في تناسب الآيات والسور» (5/ 320 - 321) للبقاعي. وانظر وصف عمرو بن العاص حال كفار قريش وهم يغمزون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يطوف بالبيت، حتى وقف عليهم فقال لهم: «أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح. «السيرة النبوية» (1/ 289 - 290) لابن هشام، ورواه أحمد في «المسند» (2/ 292) بإسناد صحيح صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث، وأصله عند البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب «لو كنت متخذًا خليلًا» ، برقم (3678) ، «فتح» (7/ 26 - 27) ، وفي كتاب مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من المشركين بمكة، برقم (3856) ، «فتح» (7/ 304) ، وفي كتاب التفسير عند تفسير سورة المؤمنين، برقم (4815) ، «فتح» (8/ 416) . وقال الهيثمي في «المجمع» (6/ 16) : «رواه أحمد وقد صرَّح ابن إسحاق بالسماع، وبقية رجاله رجال الصحيح» . وقال: «وفي الصحيح طرف منه» .